مع احتمالات ترشح «رجب طيب أردوجان» رئيس الوزراء التركي ورئيس حزب العدالة والتنمية ذو الروح الإسلامية لرئاسة الجمهورية، ومع ترجيح فوزه بتأييد غالبية نواب البرلمان، وتأكيد فوزه بثقة غالبية الشعب في الانتخابات القادمة برغم المظاهرات العلمانية وقلق الجيش التركي، يبدو أن الجارة الشقيقة تركيا تتقدم حاليا نحو مرحلة مفصلية تصحيحية في تاريخها، يراها البعض «عودة للروح»، ويراها البعض الآخر «عودة للوعي».
بينما أجدني في الحالتين وبعيدا عن عودة الوعي الذي قصده «توفيق الحكيم»، وقريبا من عودة الروح التي حاربها «كمال أتاتورك»، أراها استعادة للذات الحضارية الوطنية ولجوهر هويتها الشرقية الإسلامية، العميقة الجذور في التربة التركية، المرغوبة وطنيا والمطلوبة إقليميا، بعكس تلك الشخصية الغربية العلمانية المصطنعة المفروضة عسكريا والمرفوضة ديمقراطيا.
إن ما يجرى في تركيا اليوم بتأثير تحولات المشهد السياسي التركي المتأرجح حاليا بين الانتماء الشرقي الإسلامي، والغربي العلماني لصالح الانتماء الأصيل، يثير اهتماما دوليا وإقليميا خصوصا لدى الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة مع اهتمام مماثل في الجوار الإقليمي العربي والإيراني والروسي.
ذلك أن تغيير المشهد السياسي التركي التقليدي الملحق بالغرب، والذي فرض عسكرياً على تركيا بعد الحرب العالمية الأولى، سيؤثر بلا شك في تغيير المشهد السياسي الإقليمي بعدما يوجه بوصلته نحو الشرق العربي الإسلامي، بما سيؤثر في المعادلات الإقليمية والحسابات الدولية، خصوصا بعدما بدا تعنتاً غربياً لدخول الاتحاد الأوروبي، لقلق الديمقراطية العلمانية الغربية من عضوية دولة بحجم تركيا بكتلتها السكانية ذات ال70 مليون 95% منهم من المسلمين.
والغريب أنه في الوقت الذي يريد الاتحاد الأوروبي أن يبقى ناديا مسيحيا ويسعى لإبعاد تركيا عنه، فإنه لا يريد مع ذلك أن تستعيد تركيا هويتها الإسلامية لتكون عضوا فاعلا في النادي الإسلامي، حتى ولو تم ذلك بقيم علمانية يعتنقها الغرب تقوم على كفالة الحقوق المدنية لكل المواطنين بما يحترم حرية العقيدة، وبآليات ديمقراطية يبشر بها الغرب، تعكس الإرادة الشعبية وتحتكم في النهاية لصندوق الانتخاب .
وفى الوقت الذي يرى المراقبون أن التحدي المطروح أمام أردوغان ليس الفوز في الانتخابات الرئاسية وإنما في التحديات التي ستواجهه بعد الفوز في مواجهة المعارضة العلمانية والكردية داخليا، وردود الفعل الغربية والصهيونية خارجيا، فإنه لا يرى أن التمسك بالهوية الإسلامية يتعارض مع القيم الديمقراطية، كما لا يبدو أنه سيدير ظهره إلى الغرب عندما يتوجه نحو الشرق، بل سيحاول تأكيد أن هوية تركيا الإسلامية لا تتناقض مع عضويتها الأوروبية، وسيسعى لكي تكون تركيا جسرا ذا اتجاهين للمرور والحوار بين الشرق والغرب.
إن ما قام به الغرب في الماضي ضد تركيا مثلما قام به ضد العراق في الحاضر كان له تأثيراته العميقة على الوضع الإقليمي وآثاره الكبيرة على المعادلات الدولية، لما تمثله الدولتان من ارتباط عضوي، وتأثير استراتيجي على الملفات الإقليمية والدولية الأخرى، ولما كانت تشكله كل منهما كعقبة لتغلغل نفوذه وامتداد سيطرته من خلالهما على الإقليم كله، فمثلما كانت الدولة الإسلامية القوية في الحالة التركية حائط صد لأطماع الصهاينة في فلسطين، كانت الدولة العروبية القوية في الحالة العراقية ظهيرا داعماً للمقاومة الفلسطينية يهدد إسرائيل.
من هنا كان لابد للغرب الاستعماري من إزاحة العقبات التي تعرقل امتداد نفوذه سواء كانت إسلامية أو عربية، ومن هنا بنى الغرب الأوروبي والأميركي استراتيجيته في الشرق بعد ذلك على أساس منع قيام أية قوة إقليمية قوية عربية أو إسلامية يمكنها أن تشكل تهديدا لإسرائيل أو عقبة أمام المصالح الاستعمارية في الشرق، وربما هذا ما تحاول فعله الآن في محاولة لحصار إيران ولمنعها من امتلاك الطاقة النووية بعدما بدا لها أنها حسمت الأمر بعد تركيا مع العراق.
ولكي نقترب أكثر من الصورة التركية، يمكننا تأمل المشهد العراقي بعد الاحتلال وما أحدثه من آثار سلبية وخسائر إقليمية ومن تبديل لمعادلات القوى في المنطقة، وأيضاً ما جرى فيه بهدف تقسيمه بإثارة التباينات الدينية والعرقية والمذهبية والسياسية بين مكونات شعبه، ومحاولة تذويب هويته العربية بإثارة التناقضات بين العرب والأكراد والتركمان، وتفخيخ هويته الإسلامية بإثارة الفتنة بين سنة وشيعة، وفرض قانون «بريمر»، بل وفرض حكام يعينهم لإدارة الدولة بما يتوافق مع مصالح وأهداف المحتلين.
فبعد هزيمة الدولة التركية العثمانية في الحرب العالمية الأولى جرى تقسيم المنطقة العربية بين مناطق النفوذ الاستعماري الأوروبي بين فرنسا وبريطانيا في اتفاقية «سايكس بيكو» عام 1916، وفى العام التالي مباشرة صدر وعد «بلفور» من المستعمر البريطاني لإقامة وطن قومي لليهود على حساب شعب فلسطين وهو ما وصفه «عبد الناصر في رسالته الشهيرة إلى «كيندي» أن من لا يملك أعطى وعدا لمن لا يستحق في أرض فلسطين».
وفى داخل تركيا فرض أدواته الموالية للغرب للإمساك بالسلطة، وفرض النظام العلماني، على يد «أتاتورك» رسميا عام 1923 بالإعلان عن نهاية الخلافة الإسلامية وقيام الجمهورية العلمانية، في محاولة لتذويب الهوية الإسلامية للدولة التركية، ليس بالديمقراطية كما يدعى، وإنما بالقوة العسكرية، بل وجعل من قيادة الجيش التركي أداته لحراسة التبعية للغرب والسياسة العلمانية المناهضة للهوية الإسلامية للشعب التركي.
لقد سيطر العسكر على مدى أكثر من ثمانين عاما من خلال مجلس الأمن التركي«مجافاة للديمقراطية الغربية على مقاليد السياسية في البلاد، بل ونظموا الانقلابات ودبروا المؤامرات وأطاحوا بمن يخرج على ما رسمه الغرب لتركيا من مناهضة للإسلام وموالاة للغرب، بل ولإسرائيل قاعدة الغرب الاستعمارية في المنطقة العربية، ومازلنا نذكر ما فعله جنرالات الجيش حراس القيم الغربية وحماة العلمانية بالديكتاتورية وليس بالديمقراطية مع الزعيم الإسلامي رئيس حزب الفضيلة الذي فاز بثقة ساحقة للشعب التركي في انتخابات برلمانية، حين أنزلوا الجيش في الشوارع لمجرد أنه قرر الاحتفال بيوم القدس انتصارا لشعب فلسطين!!
وبرغم البطش الساحق للإسلاميين الأتراك، والسلطة العسكرية المطلقة للمناهضين لهم، والدستور العلماني الذي أقدم «أتاتورك عام 1928 في ظل الحمى الهستيرية المعادية للإسلام على حذف المادة الأولى من الدستور التركي التي تنص على أن الإسلام هو دين الدولة، فلقد بقيت غالبية الشعب التركي متمسكة بعقيدتها الإسلامية ومحافظة على هويتها الحضارية.
إن فوز «أربكان «زعيم» الفضيلة» الساحق ومن بعد الإطاحة به فوز «أردوغان» زعيم «العدالة والتنمية» في الانتخابات مرتين يؤكد أن وعي الشعب التركي السياسي ليس غائبا وأن روح الإسلام الحضاري ما تزال تملأ القلوب.
كاتب مصري
mamdoh77t@hotmai.com