في وول ستريت، عندما تنهار أرباح شركة ما وتتردى أسعار أسهمها، فإن المسؤولين التنفيذيين يتم التخلص منهم. وحتى في الجامعات فإنه عندما تتصادم كلية ما وقتاً طويلاً بما فيه الكفاية مع العميد، فإن هذا الأخير يبادر بتقديم استقالته.

في الحياة السياسية الديمقراطية تتغير الأمور بقدر أكبر من التمهل، ولأن الفترة الأولى للرئيس بوش في منصبه حكم الناخبون عليها بأنها كارثة جيولوجية في الشرق الأوسط، فإن المنافسين الديمقراطيين للحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه انتزعوا السيطرة على مجلس الكونغرس كليهما، فهناك أغلبية ديمقراطية محددة في مجلس الشيوخ وأغلبية أوسع نطاقاً في مجلس النواب، جنباً إلى جنب مع انتقاد يعتد به لسياسات بوش من قبل البعض في الحزب الذي ينتمي إليه.

وأولئك الذين توقعوا أن يبادر الفائزون الديمقراطيون الجدد إلى إدخال تغييرات فورية مفاجئة اضطروا إلى تعلم حقائق الحياة حول كيفية عمل الأنظمة الديمقراطية. نعم، لسوف يحقق الديمقراطيون الزيادة التي وعدوا بها في الحد الأدنى للأجور ولكن ذلك لن يكون حدثاً مشهوداً.

لسوف يصبح عدد محدود من الأعمال التي تقتضي مهارات متواضعة أفضل أجراً، ولكن مع ذلك فإن الحد الأدنى الجديد للأجور سيظل منخفضاً للغاية مقارنة بمعدلات الأجور الفعلية التي تدفع الآن، بحيث أن النتيجة الوحيدة المترتبة على هذا الدفع ستكون القليل من الخير والقليل من الضرر، وأميركيو مين ستريت يشعرون بالإحباط البالغ فيما يتعلق بحرب العراق وخسائرها اليومية التي لا تنتهي من الجنود الأميركيين إلى حد أن كل الصراعات السياسية الأخرى، بما في ذلك الصراعات الاقتصادية، أصبحت مختفية وسط الظلال.

واستسلم الواقعيون للحقيقة القائلة إنه حتى لو تم وضع 21 ألف شاب أميركي في طريق يلحق الضرر بهم، فإن الوضع مع ذلك سيظل قوامه أن الحرب الأهلية والفوضى الإرهابية ستستمران في العراق عندما ننسحب من هناك، وقد علمت فيتنام الأميركيين الدرس القاسي نفسه، أنه لا بد من التخلي عن المغامرات التي لا أمل فيها.

ويسأل المولعون بالأسئلة ذات الفكر الثاقب المغامرين الاقتصاديين المحدثين: عندما توقف الولايات المتحدة انفاق تريليونات من الدولارات من عجوزات الميزانية على حروب مماثلة للحرب في العراق هل ستكون القاطرة الاقتصادية الأميركية قد تراخت سرعتها إلى ان تتحرك فيه بالكاد؟ وهل سيحدث عقب ذلك ركود اقتصادي في عامي 2007-2008؟ إذا كان الأمر كذلك، فهل سيكون هذا الركود من الجسامة بحيث يفضي إلى تراجعات كلية عالمية؟

ما من شيء فيما يتعلق بالمستقبل يمكن أن يكون مؤكداً بنسبة 100%، ولكنني يتعين عليّ بعد موازنة الإحصاءات المختلفة جميعها الاتفاق مع وجهة النظر التي ينعقد الإجماع عليها والقائلة إن عام 2007 سيكون فترة نمو بصورة معتدلة بالنسبة لإجمالي الناتج المحلي الأميركي وبالنسبة للتشغيل، لماذا؟ أولاً لأن مصرفنا المركزي، أي الاحتياطي الفيدرالي، يمتلك القدرات والذكاء للوقوف بقوة ضد أي رياح انكماشية قد تهب. ويعني هذا على وجه التحديد أن رئيس الاحتياطي المركزي بن برنانكي ومعاونيه يمكنهم تنشيط الائتمان والإنفاق عن طريق خفض معدلات الفائدة أكثر من نصف دزينة من المرات.

لن تهدئ كلماتي مؤيدي بوش في وول ستريت الذين يعملون في ظل توهم أن التخفيضات المندفعة في الضرائب التي أدخلها هذا الرئيس والتي استفاد منها من هم أثرياء بالفعل هي التي جلبت الانتعاش من ركود عام 2002 الذي أعقب انفجار فقاعة وول ستريت في 1997-2000، إن هؤلاء المنظرين الأيدولوجيين ينسون أن عمليات التسارع المهمة في إجمالي عامل الإنتاجية في أميركا اليوم قد حدثت في ظل بنية الضريبة الأعلى في عهد كلينتون ـ روبن، هل كان هذا استثناء فردياً؟ لا، فكتب التاريخ تسجل مدى السرعة التي نمت بها أميركا بعد الحرب في ظل الرؤساء روزفلت، ترومان، كيندي، وجونسون.

إن العصور الجديدة تقتضي حكمة جديدة، والديمقراطيون الوسطيون بالتنسيق مع الجمهوريين الوسطيين يمكنهم التوصل إلى سياسات أفضل مما أتيح لنا في العصر الذهبي في تسعينيات القرن التاسع عشر عندما تحكم احتكاريو روكفلر في النفط واحتكاريو كارنيجي في الصلب في الأسعار على نحو غير تنافسي.

لم يكن من قبيل الحكمة عندما قام الرئيس بوش بتعيين هارفي بيت ليتولى رئاسة لجنة البورصة والأسهم، وهو رجل أعلن في أول خطاب له: «سوف أدير لجنة أكثر لطفاً ورقة». وبعد أن كان مستشاراً قانونياً لأربع أو خمس شركات محاسبة كبيرة لم تكن رسالته هي: امضوا قدما بمزيد من الكفاءة والفعالية إذا رغبتم في الحصول على عوائد أعلى.

وإنما كان ما سمعه من أصغوا إليه هو: «مدوا أيديكم إلى ثغرات ضريبية جديدة فلن يتم صلبكم لقيامكم بذلك». ومن قبيل المفارقة أن شركات إنرون وارثر أندرسن للمحاسبة وورلدكوم الذين غلت أقدامهم مع مسؤولي إنرون ربما يمكنهم الشكوى من أن واشنطن قد نصبت لهم الشراك في «لعبة خداع».

في ظل إدارات ريغان، بوش الأب وبوش الابن انفجرت اللامساواة التي تعكس اختلالاً هائلاً بين أجور المسؤولين التنفيذيين والعاملين في الشركات من نسبة 40: 1 لتقفز إلى 400 : ا. هل زاد ذلك أم قلل الحوافز لتصعيد نمو اقتصادي أصيل؟

ـ إن إجابتي عن هذا السؤال هي أنه قد رسا كبار المسؤولين التنفيذيين وأعضاء مجالس الإدارة الذين يهيمنون عليهم ليمضوا إلى إساءة تقديم أرباح الشركات، وإلى المضي إلى خيارات الأسهم الملموسة المتمثلة في أرباح الرؤساء ومن لديهم المعلومات الداخلية وخسائر حاملي الأسهم وذوي الوظائف الدنيا.

ياللحسرة! في مكان ما يمكن العثور على بعض الاقتصاديين لمباركة إساءة التصرف هذه في الشركات. وأنا على يقين من أنه لو أن الراحل ميلتون فريدمان طلب منه أن يحدد مزايا تجاهل مكافآت خيارات الأسهم كتكلفة مؤسسية في تقديم شهادات أرباح التشغيل، لبادر إلى نفض يده من الأمر كله. وقد علمني بروفيسور هوتيلنج في جامعة كولومبيا أن خيارات الأسهم تضيف إلى أجر الرئيس التنفيذي في إطار صيغة خصم موضوعي من أطراف أخرى.

إن كل يوم أمضاه الرئيس هربرت هوفر في منصبه كان يقوم خلاله بمراكمة الأصوات لفرانكلين روزفلت الذي خلفه في منصبه، وجورج بوش يعمل بالطريقة ذاتها.

خدمة «لوس أنجلوس تايمز»

خاص لـ «البيان»