المعركة الدائرة الآن في واشنطن بين الرئيس الأميركي جورج بوش والكونغرس الذي تسيطر عليه المعارضة الديمقراطية -لا تبدو لها حتى الآن نهاية قريبة- بوش يطلب اعتمادات مالية إضافية لتمويل ما أطلق عليه الاستراتيجية الجديدة في العراق والكونغرس حريص على تحديد موعد زمني للانسحاب وهو ما يرفضه الرئيس الأميركي بشدة رغم اعترافه بفشله في الحرب ويبرر ذلك بمواصلته المعركة ضد الإرهاب.

ووفقاً لتواريخ الانسحاب التي أعلنتها معظم الدول المشاركة بقوات في العراق لسحب هذه القوات، فإنه بحلول نهاية العام الحالي، ربما لن يبقى غير القوات الأميركية وحدها في العراق، وبذلك تنتفي صفة التحالف الدولي الذي استخدمته الولايات المتحدة كغطاء لإضفاء الشرعية على احتلالها العسكري للعراق، واستصدار قرارات من مجلس الأمن باسمه.

العراق إذن تحول إلى ساحة سياسية بين الطرفين الجمهوري والديمقراطي. والساحة أصبحت تربط مصير كل طرف بالآخر. نجاح بوش يؤدي إلى فشل الديمقراطي. وخسارة بوش تعني تعزيز إمكانات نجاح الديمقراطي. وتحت سقف هذه المعادلة الانتخابية تجري الآن تلك المعركة فيما لا تزال آلة العنف تبتلع العراقيين يومياً.

العراق ساحة أميركية داخلية تتواجه في ضوء نتائجها الكثير من السياسات الإقليمية والشرق أوسطية. فالساحة العراقية أصبحت ممتدة إلى الجوار ولم تعد تقتصر معركتها على داخل بلاد الرافدين. وهذا أيضاً ما بدأ الحزب الديمقراطي يراهن عليه. فهناك مجموعة خيوط أخذت ترسم منذ الآن سياسة مضادة لاستراتيجية بوش. فالعلاقة مع سوريا وموقعها ودورها الإقليمي أصبحت تمر بالعراق. والعلاقة مع إيران وموقعها ودورها الإقليمي أصبحت مرتبطة بالعراق. وموقع تركيا ودورها الإقليمي ورؤيتها لهوية شمال بلاد الرافدين أخذت تتولد منها أزمة أمنية مع الأكراد.

مشكلة العراق تحولت بعد أربع سنوات من احتلال بغداد إلى أزمة إقليمية تمتد خيوطها إلى خارج الحدود. وهذه المستجدات تعتبر خطيرة بغض النظر عن التوجه الأميركي بعد اجتماع الأربعاء في البيت الأبيض، فساحة العراق وان تحولت فعلاً إلى مشكلة أميركية داخلية لكنها أيضا أخذت تكشف في الأفق عن مجموعة خيوط إقليمية يحتمل أن تجرجر المنطقة إلى سياسة منافسات لتعبئة الفراغ الأمني في حال قررت واشنطن الانسحاب من بلاد الرافدين خلال سنة أو سنتين.

لقد بعث الديمقراطيون رسالةً واضحةً إلى بوش برفض مخططاته الجديدة في العراق والوقوف الند للند أمام خياراته الرامية إلى بسط احتلال أبدي على المنطقة، كان آخرها القانون المتعلق بوضع جدولٍ زمني لعودة القوات الأميركية وانسحابها من العراق؛ لتمويل بقية الحملة الأميركية حتى الانسحاب، وها هو بوش اضطر أخيرا للجلوس معهم رغم تهديده في المرة الأولى باستعمال حق الفيتو وذلك في سياق اقتناعه بان المعركة مع الديمقراطيين صعبة ويصعب التكهن بمصيرها لاسيما وان كل ذرائعه في الغزو أسقطت مع مرور الذكرى الرابعة لاحتلال المنطقة.

فقد فشل المفتشون في العثور على أسلحة الدمار الشامل التي كانت ذريعة بوش لشن الحرب وأبطأ الأميركيون في وقف النهب وإعادة الكهرباء واستئناف إنتاج النفط. وبدأ مشروع العراق يبدو أنه مهمة متسرعة بلا مبرر يذكر ودون تخطيط لما بعد الحرب.

صحيح أن الرئيس بوش بات يطالب بوضع «رؤية جديدة» حيال العراق، وصحيح أن فوز الديمقراطيين قد يشكل، في أحد جوانبه، «مخرجاً مشرفاً» له لانسحاب من العراق يحفظ له بعضاً من ماء الوجه باستجابة لحاجة أميركية داخلية، أكثر منه إقراراً واعترافاً بالهزيمة.. بيد أن الأمر لم يعد يتعلق بالعراق وحده، بل بمنطقة الشرق الأوسط كلها، أو بالمشاريع الأميركية المطروحة لشرق أوسط كبير أو موسع أو جديد.

ولكن يبقى الأمر الأكثر إلحاحاً وضرورة هو تبني سياسة جريئة لحل الصراع العربي ـ الإسرائيلي وإدراج القضية الفلسطينية في طليعة استحقاقات ومتطلبات الخروج من المأزق العراقي «بأقل الخسائر الممكنة»، فالشراكة الأميركية المطلوبة مع العالم العربي تتطلب أول ما تتطلب المعالجة الجذرية للقضية الفلسطينية وإنهاء الاحتلال. هذا كله يحتاج إلى إصلاح جذري في السياسة الأميركية إزاء المنطقة ككل وليس الاكتفاء بإعادة تقويم لها أو تغيير مسارها في العراق فحسب