ستة عقود وسورية ترفل بنعم الجلاء ويعيش أبناؤها في أمن وأمان واستقرار عزّ نظيره في هذا العالم المضطرب. وإذا كنا نتحدث عن عيد الجلاء، فإن الذاكرة تعود بنا إلى مراحل سبقت رحيل آخر جندي محتل عن تراب سورية المقدس.
تعود بنا الذاكرة إلى الثورات المتلاحقة التي اشتعلت فوق الأرض السورية لتحرق الغزاة أينما وُجدوا، ولتصنع في نهاية المطاف نصر الجلاء العظيم، ولتعبد الطريق أمام رايات الحرية والاستقلال.
لن نسجل هنا تلك الثورات التي صنعت الحرية وفتحت أمامها الدروب من جبل العرب إلى ساحلنا المناضل، وصولاً إلى الغوطتين وحلب وإلى كل بقعة من بقاع الوطن الغالي، لن نسجل ذلك، لأن التاريخ يحكي قصة هذه الثورات وثمرة الجلاء التي نضجت وقطفها الأبناء بتضحيات الأجداد والآباء الذين عطروا تراب الوطن بدمائهم الزكية.
لكننا ونحن نتصفح سجل التاريخ الوضّاء وصفحاته المشرقة، لابد أن نُكْبرَ أبطال الجلاء الذين وضعوا أرواحهم على أكفهم كي يصنعوا النصر ويصدوا عن الوطن جحافل الغزاة الطامعين بأرضنا وثرواتنا وخيراتنا.
ولابد أن نتذكر أن هؤلاء لم يكونوا يبحثون عن مجدٍ شخصي أو مكاسب لهم ولأقاربهم وذويهم، ولا عن كرسي وثير ومكتب فاخر يديرون من خلفه شؤون البلاد، بل كانوا مندفعين بعفوية من أجل الوطن، ومن أجل أن يبقى هذا الوطن عزيزاً حراً سيداً.
هي الأمانة التي سلمها لنا آباؤنا وأجدادنا ونحن الأجدر على حمل الأمانة بالمسؤولية نفسها وبالعفوية نفسها وبالغيرية نفسها كي تبقى سورية كما هي: حاضنة التاريخ والحضارات، موئل الحرية والأحرار، والمدافع العنيد عن القضايا العربية، وعن الأهداف القومية الكبرى من الوحدة إلى التضامن وبعث أمجاد العرب.
لم يكن الجلاء في العام 1946 نهاية المطاف.بل كان نقطة علاّم بارزة في تاريخ سورية، ولكن المعركة لم تنته بعد فالغزاة أنفسهم الذين خرجوا مدحورين مذمومين قبل ستة عقود، يعودون اليوم بالوجه القبيح نفسه، وبأسماء " مستعارة " جديدة ولكن لتحقيق الأهداف الخبيثة نفسها وليعيدوا الكرّة من جديد في محاولة لسلبنا حريتنا وسيادتنا واستقلالنا، تارة تحت شعار نشر الديمقراطية، وأخرى دفاعاً عن الحرية وحقوق الإنسان، ومرّات تحت أكاذيب وتلفيقات اشتهرت بها دول عظمى ما عادت تخجل وباتت تزيف الحقائق وتزور التاريخ.
معركتنا مستمرة من أجل الحفاظ على الجلاء، وعلى نصر الحرية الذي صنعناه قبل أكثر من نصف قرن، لكن الخطر لم يعد يتهدد سورية وحدها اليوم، كما أنه لم يكن في مطلع القرن العشرين الفائت يتهددها وحدها، إنه خطر يتهدد كل العرب في كل بلدانهم، وإن كانوا غافلين!.
المستعمرون في مطلع القرن العشرين الماضي جاؤوا بدباباتهم وطائراتهم «للدفاع» عنا نحن الشعب العربي، واختاروا كلمة مهذبة جداً هي «الانتداب» لأنهم كانوا يخجلون قليلاً فاستبدلوا بكلمة الاستعمار البشعة كلمة انتداب المخففة اللطيفة!
اليوم سقط برقع الخجل عن وجوه هؤلاء فلم يستخدموا هذه الكلمة اللطيفة، بل استبدلوا بها شعارات برّاقة تحمل في طياتها كل معاني الحرية والحب والإنسانية، بينما تصبح بعد ترجمتها على الأرض تدميراً وحرقاً ودماً مهدوراً وبث نعرات طائفية، ولصوصية مفضوحة في وضح النهار حيث الثروات العربية تُنهب وتُسرق من نفط وآثار وتاريخ وحتى أرواح شعبنا العربي.
شعارات براقة جذابة تقابلها ممارسات مضادة تماماً: فباسم الحرية أحيوا الاستعمار، وباسم حماية حقوق الإنسان انتهكوا هذه الحقوق، وباسم الديمقراطية كمّوا الأفواه ونصبوا محاكم التفتيش حتى لأولئك المسؤولين الأميركيين الذين يمثلون الشعب الأميركي في الكونغرس فقط لأنهم أرادوا أن ينقلوا للأميركيين حقيقة الأوضاع في منطقتنا، وأن يعلنوا صراحة «أن سورية تريد السلام» على سبيل المثال لا الحصر.
لا نبالغ إذا قلنا: إن الوضع مع بدايات الألفية الثالثة ومطلع القرن الحادي والعشرين هو أسوأ مما كان عليه في بدايات القرن الماضي عندما أعطت القوى العظمى حينذاك نفسها الحق باستعمار الدول واستعباد العباد ووضع يدها على المواقع الاستراتيجية الحيوية في العالم عموماً، وفي منطقتنا خصوصاً، ونهبت ثروات الشعوب.
الوضع اليوم أسوأ مما كان.. ومعارك الجلاء لمّا تنته بعد، والتصدي للمستعمرين فوق الأرض العربية لا يزال واجباً مقدساً لشعبنا العربي الذي كان ولا يزال عنواناً للتضحية والفداء.
معارك الجلاء مستمرة منذ اندحار آخر جندي فرنسي عن الأرض السورية المقدسة، وحرب تشرين المجيدة كانت إحدى تلك المعارك والمحطات الخالدات في تاريخ شعبنا، وتصدينا هذه الأيام للمشاريع المعادية ورفضنا لمحاولات فرض هذه المشاريع بمنزلة معركة من معارك الجلاء، فالنضال من أجل الحرية والسيادة والاستقلال لا يتوقف مادامت هناك قوى شريرة طامعة بأرضنا وخيراتنا وثرواتنا، ومادامت هذه القوى تنحاز إلى جانب القتلة والإرهابيين وشذاذ الآفاق وقطاع الطرق ومغتصبي حقوق الآخرين ومحتلي أراضيهم، ومنتهكي حقوق الإنسان.
ودروب الحرية ليست مفروشة بالأزاهير ودونها تضحيات جسيمة وصبر طويل وصعاب وتحديات هائلة. لكن الإرادة والتصميم اللذين تحلى بهما أجدادنا وآباؤنا فأهدونا الجلاء الناجز، هما سلاحنا اليوم للحفاظ على هذه الأمانة الغالية، ومن أجل أن تبقى سورية منارة للحرية والخير والعدل.