مما يؤسف له حقا انه كلما تلوح في الأوفق بادرة نية حسنة سواء كانت من قبل الحكومة السودانية او المجتمع الدولي والافارقة بخصوص التوصل لمخرج من مأزق دارفور الذي حار الجميع في أمره، تعود الأمور من جديد إلى مربعها الأول مربع عدم الثقة والتجاذب والتهديد، والوعيد، الامر الذي يضيع معه كل أمل قريب لحل هذه الازمة.
لقد فاجأ كل من الرئيس الأميركي جورج بوش ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير العالم أمس الأول بتهديدات جديدة بفرض عقوبات صارمة ضد السودان لرفضه ما اسمياه قبول نشر قوات دولية او مختلطة باقليم دارفور ولم تقتصر التهديدات على الدولتين وانما السعي لاصدار قرار من مجلس الامن يلزم السودان بقبول هذه القوات ويعاقب مسؤولين فيه.
مما لا شك فيه ان الموقفين الأميركي والبريطاني يتناقضان تماما مع الواقع الحالي الذي شهد انفراجا في مواقف الخرطوم، بعد ان توصلت لاتفاق مع الأمم المتحدة بخصوص حزمة الدعم الثانية للقوات الأفريقية بدارفور ولذلك رفضت عدة دول عربية وافريقية ودول أعضاء بمجلس الأمن هذه المواقف التي تؤكد ان التهديدات الأميركية والبريطانية تجاه السودان مبيتة.
ان اشادة معالي الدكتور نافع علي نافع مساعد الرئيس السوداني بمواقف دولة قطر المتميزة تجاه ازمة دارفور تؤكد مدى الاهتمام القطري بضرورة حل هذه الازمة بالوسائل السلمية بعيدا عن اسلوب التهديد بفرض العقوبات باعتبار ان مثل هذه التهديدات ستزيد الأمور تعقيدا وتجعل من مواقف الخرطوم اكثر تصلبا .
لان التهديد لن يجر إلا إلى تهديد مضاد وهو أمر مرفوض في مواجهة أزمة مثل أزمة دارفور التي تتطلب تضافر الجهود الدولية والإقليمية مع جهود السودان بتوفير الدعم للقوات الافريقية وفقا للحزمتين الاولى والثانية حتي تتهيأ الخرطوم للحزمة الثالثة عبر حوار بناء.
المواقف الأميركية والبريطانية تهدف الى اعادة خلط الاوراق من جديد بخصوص ازمة دارفور والتي استعصت الحل الاقليمي والدولي بعدما فشل الجميع في وضع خريطة طريق ثالثة للحل بعيدة عن التهديد بالعقوبات من المجتمع الدولي والمماطلة والتسويف من قبل الحكومة السودانية، تقوم على الحوار الجاد والتفاوض المؤسس محليا واقليميا ودوليا.
ان الوضع على الأرض بدارفور للاسف الشديد مأساوي وان مواقف كل من واشنطن ولندن تزيدها تعقيدا وانهما ما كان لهما ان يلعبا هذا الدور اذا ما اتخذت الحكومة السودانية مواقف جادة تجاه الحل الوطني الجاد للازمة والتي تدولت بسبب تصرفات خاطئة ابعدت اشراك جميع السودانيين في الحل.
التهديدات الأميركية والبريطانية ضد السودان بخصوص دارفور لن تتوقف الا اذا ما حلت ازمة دارفور والتي أصبحت وسيلة ضغط ضد الخرطوم وان مواقف المجتمع الدولي -والذي بذل جهودا في سبيل الحل- يجب ان تعززها مواقف واضحة من الخرطوم، فليس من المعقول صدور اكثر من 14 قراراً دولياً بخصوص الازمة وهي لاتزال محل خلاف ولم تراوح مكانها.
ان الحكومة السودانية مطالبة اليوم اكثر من اي وقت مضي باتخاذ مواقف جادة ومقنعة للعالم تجاه ازمة دارفور تؤكد بانها جادة في الحل وان تلك المواقف لن تكون فعالة الا باشراك جميع الاحزاب واعادة النظر في اتفاقية ابوجا التي يرفضها متمردو الاقليم، فالمواقف الجادة تجاه الحل الناجع للازمة كفيلة بعزل المواقف الاميركية و البريطانية دوليا وفضحها وبغير ذلك فكأن الامر حرث في البحر.