لكل دولة حق التطلع لأن تكون مميزة في ثرائها البشري والمادي، وقوية صناعياً وعسكرياً، لكن الطموح يختلف عن أبجديات الأهم والمهم من حيث تلبية احتياجات المواطنين، بحيث لا يكون التسلح مثلاً له الأولوية على الخبز، والأمن الوطني على المغامرات العسكرية، كما فعل الاتحاد السوفياتي كقوة عظمى، وعراق صدام كقوة إقليمية..

في إيران جرت تحولات كبيرة، انتقال من امبراطورية كلاسيكية إلى دولة إسلامية، ومن تحالف مع الغرب، وأمريكا بشكل خاص، إلى عداء متواصل معهما، وقد خاضت حرباً مع العراق كانت جنونية من قبل صدام، وهذه الأحداث أجبرتها لأن تتجه إلى أن تكون دولة عسكرية تعتمد على ذاتها وبتعاون مع دول مثل روسيا ودول أخرى، وحتى الاتجاه لأن تحصل على تقنيات نووية ربما تؤدي بها لامتلاك سلاح نووي تقرره مصالح إيران.

هناك عرض إيراني بتوقيع اتفاقات عسكرية عربية معها وخصوصاً دول الجوار، أي الخليجية، ومن حيث المنطق فإن مثل هذه الاتفاقات لا ترقى لحلف الأطلسي، أو وارسو حين كانت محركات وأهداف تلك الأحلاف مخاطر تكرار الحربين العالميتين، وهي روادع أكثر منها الانجرار إلى صدام عسكري نووي يفني الطرفين، وإيران إذا كانت تريد سلاماً آمناً للمنطقة، و اتفاقاً ملزماً بعدم الاعتداء يرقى على ما جرى مع صدام حسين الذي مزق ورقة الاتفاق وهاجم الكويت وهدد دول الخليج الأخرى.

فإن إيران مطالبة بإعطاء هذه الثقة من خلال حل أزمة لبنان المتواجدة على أرضه بواسطة حزب الله، ورفع يدها عن العراق بما يقال إنها جزء من أزمته، وإنهاء خلافاتها مع الإمارات حول الجزر، ثم إنه إذا كان المقصود إيجاد اتفاق عسكري فلمن ستوجه هذه القوة، هل هي لأميركا المتواجدة في معظم دول الخليج بشكل واضح؟..

أميركا متحالفة مع إسرائيل، وتعتبر ركيزتها في المنطقة، لكن بتحريرها الكويت لم نجد مساهمة عسكرية إسرائيلية تشارك بتلك القوة، بل كانت القوات العربية حتى ولو كانت رمزية، هي الطرف المساعد، وكذلك الأمر في غزو العراق لم نجد لإسرائيل وجوداً، بل وجدنا تحالف قوى دولية، ورفضاً عربياً.

وأميركا مجاورة لإيران في العراق وأفغانستان، ولها وجود في دول آسيا الوسطى وتركيا، بمعنى أنه إذا كان الغرض تحالفاً عسكرياً بين العرب وإيران فإنه قد يثير القوى ذات المصالح في المنطقة، وكذلك دولاً محورية مجاورة، وحتى باكستان ذات القوة الأكبر من إيران لم تطلب هذا التحالف لأن الدول العربية لا تشعر بمخاطر تجبرها على عودة صراع الشرق والغرب في مفاصلها..

نحتاج مع إيران إلى رفع سقف التعاون الاقتصادي والثقافي، والتغلب على الصراع الطائفي البغيض، ومبادلات سياحية وزراعية، وتحويل الفوائض المادية إلى طاقات إنتاج أسوة بدول جنوب شرق آسيا التي بدّلت جنودها في المعسكرات إلى عمال مصانع ومهندسين ولتجعل من سلعها المدنية قوة عملية في تحولها إلى دول عملاقة تشكل ظاهرة حضارية في عالم اليوم، وهو ما يدفعنا إلى رسم نفس الخطط مع إيران وتركيا وغيرهما من القوى الإقليمية الفاعلة كتعويض عن التسلح وغرائزه الخطيرة