المنافسة تعني بذل أقصى الجهود للوصول إلى الأهداف المرجوة ونحن البشر بطبيعتنا نمارس المنافسة تلقائياً خاصة عند توافر الطموح والقدرة والكفاءة والفرص المتساوية. اما بالنسبة للدول فلقد مارست معظم دول العالم المتقدم المنافسة كجزء لا يتجزأ من شروط تقدمها ونهضتها على اعتبار ان أفضل أنواع حوافز التنمية هي المنافسة، لذلك وضع الغرب قواعد للمنافسة الجدية في مختلف القطاعات الصناعية والمالية والخدمية والتجارية.

وترسخت قيمة المنافسة التنموية في الغرب خصوصاً بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، حيث أدرك الغرب ان الهيمنة والقوة لا تتم من خلال تدمير الذات وتدمير الآخر، بل ان المنافسة القائمة على التعاون ودراسة قدرات الذات الحقيقية هي وسيلة الوصول الفعلية إلى الأهداف المرجوة.

هذه الأفكار استلهمتها من حديث صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي الذي أكد سموه فيه على ضرورة العمل على الارتقاء بالإمارات لاحتلال الصدارة ليس على المستوى العربي وحسب بل كذلك على المستوى العالمي. تلك الكلمات الجادة والواثقة جاءت خلال استعراض نتائج تقرير التنافسية العربية 2007 الذي أطلقه المنتدى الاقتصادي في الدوحة في العاشر من ابريل والذي حلت فيه دولة الإمارات بالمرتبة الأولى في مجال التنافسية في العالم العربي ضمن مجموعة دول المرحلة المتقدمة من التطور.

هذا التقرير هو عبارة عن دراسة وتقييم للأداء الاقتصادي لحوالي 177 دولة حول العالم بينها 13 دولة عربية هي الإمارات، قطر، البحرين، عمان، والكويت، مصر، الأردن، سوريا، تونس، ليبيا، المغرب. قسمت إلى ثلاث فئات بحسب مرحلة تطورها سواء كانت متقدمة، متوسطة أو ضعيفة.

ويدرس مؤشر التنافسية عدداً من العوامل الأساسية ومعايير تعزيز الفاعلية وعوامل الإبداع. وتشمل العوامل الأساسية المؤسسات، البنى التحتية، الاقتصاد الكلي، الصحة والتعليم الابتدائي، في حين تشمل معايير تعزيز الفاعلية كلاً من التعليم العالي والتدريب، وفاعلية السوق، وجهوزية التكنولوجيا. وكانت الإمارات احتلت المرتبة الأولى في العالم العربي ضمن مؤشر مدركات الفساد لعام 2006 الصادر مؤخراً عن منظمة الشفافية الدولية من بين 100 دولة شملها التقرير.

نتائج مؤشر التنافسية ومركز الإمارات الطليعي فيه جاء ليكمله درس آخر ألا وهو درس الاستراتيجية الحكومية التي أعلنها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وتهدف الاستراتيجية إلى تحقيق تنمية مستدامة في جميع مناطق الدولة تعزيزاً لفكرة الانتماء الوطني من جهة، واستثمار الموارد الاتحادية بشكل أكثر فاعلية وديمومة. كما تهدف إلى تطوير آليات إدارة الموارد الاتحادية وصولاً إلى استغلالها بشكل أفضل وضمان الجودة في الخدمات التي تستثمر بها هذه الموارد، وكذلك ضمان قدر أكبر من المتابعة والمحاسبة والشفافية في عمل الأجهزة المختلفة.

الاستراتيجية الحكومية هي عبارة عن تنافس آخر يجسد رؤية قادة الإمارات لأهمية التخطيط للمستقبل الذي هو أحد أهم ميادين المنافسة العالمية، فالعالم اليوم لم يعد يتنافس مرحلياً بل ان أكبر وأعظم الموارد والإمكانات أضحت تخصص للمنافسة المستقبلية. فالأمة التي لا تجيد حسابات المستقبل سوف تحطم منجزات الماضي والحاضر.

ربما دولة الإمارات لم تأخذ الوقت الذي تسنى لكثير من دول العالم وأكثر من الدول العربية. فهي حديثة العهد في نهضتها الحضارية، والأمر الملفت الآخر ان الإمارات تعيش في وسط إقليمي وعالمي مثقل بالأزمات والمخاطر والمتغيرات إلا ان ذلك لم يثن إرادة قادتها وأبنائها على ان يثبتوا وجودهم ويحققوا انتصاراتهم الخاصة وهم يسيرون بسرعة الخيل الأصيلة إذا ما أرخي لها اللجام تاركين خلفهم كل معوقات الزمان والمكان غير آبهين بضغوط الجوار ولسان حالهم ان الإمارات إذا ما أرادت الحياة فلابد ان يستجيب القدر.

تلك المعادلة القائمة على العلاقة بين الإرادة والجدية والتخطيط الواقعي السليم سقطت من حسابات العديد من التجارب التنموية العربية في الوقت الذي تستفيد منه دولة الإمارات العربية الاستفادة القصوى تحت هامش من أقصى الظروف الدولية والإقليمية والمعوقات سواء أكانت من الداخل أم من الخارج. إلا ان قادتها شباب لا تثني عزيمتهم مسارات الرياح المتقلبة في البحر الهائج، ذلك البحر الذي لطالما غرقت في قاعه سفن العرب التي سارت وفق هوى النفس واندفاعات بعض الحكام وأحلام اليقظة حتى وجدنا أنفسنا وسط الصحراء فاقدين خطوط العودة من حيث بدأنا وأبواب الدخول من حيث خرجنا.