نظرا لانتشار الحركات الأصولية المتطرفة في عالم اليوم فإن المفكرين الأوروبيين اخذوا يعقدون الندوات وينظمون المحاضرات العامة عن هذا الموضوع الخطير. والكتب أو المقالات التي تعالج مسألة التعصب والإكراه في الدين أصبحت أكثر من أن تحصى أو تعد في كافة اللغات الأوروبية من انجليزية وفرنسية وألمانية الخ.. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو التالي: ما رأي كبار المفكرين بمسألة التعصب والتسامح؟
وما هو دور الحداثة والتنوير في القضاء على هذا الوباء أو تقليصه إلى أقصى حد ممكن؟ نقول ذلك وبخاصة أن هذا التعصب قد يؤدي إلى قتل المواطنين الآمنين بالجملة كما حصل مؤخرا للأسف الشديد في قلب العاصمة الجزائرية وكما يحصل كل يوم في العراق المستباح.
في الواقع إن مسألة التعصب أكثر تعقيدا مما نظن. فالإنسان يميل إلى التعصب بطبيعته كما يقول كبير فلاسفة فرنسا في هذا العصر: بول ريكور. فكل إنسان يرغب في فرض عقائده الدينية أو قناعاته السياسية على الآخرين. بل ويستغرب كيف لا يؤمنون بمثل ما يؤمن به ويعتبر ذلك فضيحة لا تحتمل..ولذلك فإنه يحاول إجبارهم على اعتناق دينه بالقوة أو منعهم من ممارسة طقوسهم وشعائرهم بحجة أنها خاطئة أو مضللة الخ..
هذا ما فعلته ملكة اسبانيا الكاثوليكية جدا ايزابيل عندما أجبرت المسلمين واليهود على اعتناق المسيحية أو الخروج من البلاد فورا. وهذا ما فعله آخرون من مختلف الأديان والطوائف. وبالتالي فمن السهل أن ندين التعصب ونقول إنه عيب ولا يجوز الخ..
ولكن هذا مجرد كلام معسول أو نوايا طيبة لا تغير في حقيقة الأمر شيئا. فالتاريخ يثبت لنا أن كل المجتمعات البشرية مارست التعصب ولم تسمح بالحرية الفكرية أو التعددية العقائدية إلا بعد انتصار الحداثة التنويرية في أوروبا في القرن التاسع عشر. فعندئذ انتقلنا أو قل انتقلت أوروبا من مفهوم الحقيقة المطلقة إلى مفهوم الحقيقة النسبية فيما يخص الشؤون الإيمانية والاعتقادية.
ولكن هذا الانتقال لم يحصل إلا بعد أن مرت أوروبا بأزمة عنيفة وحادة هي ما ندعوها: بأزمة الحقيقة. ماذا يعني كل ذلك؟ انه يعني أن المسيحيين في السابق كانوا يعتقدون أنهم يمتلكون الحقيقة المطلقة المقدسة المتعالية التي لا حقيقة بعدها أو غيرها. وكانوا يعتقدون أن دينهم هو وحده الصحيح وكل الأديان الأخرى ضلال في ضلال.. وهذا هو تعريف الأصولية الراديكالية في الواقع. هذا هو تعريف التزمت المطلق والمطبق. وبالتالي فكل من لا يعتنق ديانتهم كانوا ينبذونه أو يضطهدونه أو يعاملونه كمواطن من الدرجة الثانية أو الثالثة.
ثم جاء عصر التنوير وتغيرت الأمور. فقد راح الفلاسفة يتساءلون: ألا يمكن أن يكون الآخر المختلف عنا دينا أو مذهبا على حق؟ ألا يمكن أن يكون طيبا فاضلا حتى ولو انتمى إلى دين آخر غير ديننا أو مذهب آخر غير مذهبنا؟ ألا يمكن أن تحتوي عقيدته على بعض الحقيقة؟ هكذا راح الشك يتسرب إلى النفوس ودخل مفهوم الحقيقة المطلقة في أزمة حادة لم يخرج منها سالما.
وانتقلت أوروبا عندئذ من مفهوم الحقيقة المطلقة التي لا تسمح بالحوار إلى مفهوم الحقيقة النسبية أو التعددية. وعندئذ أصبح مفهوم التسامح ممكنا لأول مرة في تاريخ الفكر البشري. قبل ذلك كان يدخل في دائرة اللامفكر فيه أو المستحيل التفكير فيه بالنسبة لعقلية أناس القرون الوسطى. وينبغي الاعتراف أن الأمر لا يزال على هذا النحو في العديد من مجتمعاتنا العربية أو الإسلامية حيث يفرض المذهب الواحد أو الرأي الأوحد نفسه بكل قوة ولا يسمح بالاختلاف أبدا.
والسبب هو أننا لم نشهد بعد أزمة الحقيقة داخل تراثنا الديني كما حصل في أوروبا ولم ينتصر عندنا التنوير الفلسفي كما انتصر عندهم. ولكننا نقف على مشارف الدخول في هذه الأزمة الرهيبة. واكبر دليل على ذلك هو انفجار الحركات الأصولية عندنا بمثل هذه القوة والضراوة. وهذا يعني أن الانتقال من إيمان القرون الوسطى إلى الإيمان العقلاني المستنير لن يتم قبل دفع الثمن. وهذا ما يحصل الآن بشكل باهظ في العراق الجريح أو في الجزائر الصامدة أو في المغرب الجميل أو في كل أنحاء العالم العربي الإسلامي دون استثناء.
مهما يكن من أمر فإن كبار المفكرين في الغرب والشرق يقولون لك ما معناه: لقد ظهر مفهوم التسامح في أواخر القرن السابع عشر كرد فعل على التعصب وبعد أن عانت أوروبا كثيرا من حروب المذاهب المسيحية فيما بينها.
فلولا أنهم قتلوا بعضهم البعض على الهوية طيلة سنوات وسنوات بل وحاولوا استئصال بعضهم البعض لما ظهر مفهوم التسامح ولما شعروا بالحاجة إلى بلورة فهم جديد للدين والإيمان. فمتعصبوهم كانوا لا يقلون خطورة عن الكاميكاز الانتحاريين الذين فجروا مقر رئاسة الوزراء في قلب العاصمة الجزائرية أو الذين اغتالوا حتى شارع المتنبي الشهير وسط العاصمة العراقية: أي اغتالوا الثقافة والفكر والشعر في آن معا..
لولا أنهم عانوا ما نعاني منه نحن حاليا لما ظهرت كل تلك الكتب التنويرية العديدة التي تتحدث عن فضائل التسامح وتدين التعصب وشروره وإضراره على المجتمع كله. نذكر من بينها على سبيل المثال لا الحصر كتاب الفيلسوف الانجليزي الشهير جون لوك: مقالة عن التسامح1667 أو كتاب الفيلسوف الفرنسي فولتير بعد مئة عام بالضبط وتحت نفس العنوان تقريبا: رسالة في التسامح1763 الخ..
يقول احد كبار مؤرخي فرنسا المعاصرين جاك لوغوف ما معناه:لا نزال نعتقد حتى الآن انه ليس من السهل أن يكون المرء متسامحا. ليس من السهل أن يقبل بالرأي الآخر المختلف عن رأيه وعقيدته. ولذا فان التسامح ليس هو الحالة الطبيعية للإنسان وإنما هو حالة مكتسبة عن طريق التنوير الفكري والتربية والتعليم وسن القوانين الجديدة التي تحترم كرامة الإنسان أيا يكن أصله وفصله أو دينه ومذهبه. وهذا موقف جديد في الفكر ويشكل قطيعة كبرى مع العصور الوسطى.
ولم تحصل هذه القطيعة حتى الآن إلا في المجتمعات المتقدمة كفرنسا وسويسرا وبلجيكا وهولندا الخ... وبالتالي فالتسامح يتطلب من الإنسان أن يقوم بجهد ذاتي على ذاته لكي يتخلص من العصبية العمياء التي تربض في أعماقه: أي العصبية لطائفته والعقائد التي تربى عليها منذ نعومة أظفاره. وهذه عملية ليست سهلة على الإطلاق بل ويرافقها تمزق ونزيف داخلي حاد. بعدئذ يمكن للمرء أن يعترف للآخرين ببعض الحق في الوجود وصحة العقيدة حتى ولو ظل يحب عقيدته أكثر.
فهذا شيء مفهوم. ويساعده على ذلك توسيع مداركه الثقافية عن طريق تدريس مادة علم الأديان المقارنة. وهي مادة غير موجودة للأسف في جامعاتنا حتى الآن. ولو أننا أدخلناها لعرف الإنسان العربي أو المسلم أن هناك نواة أخلاقية مشتركة لدى جميع الأديان دون استثناء ألا وهي: لا تقتل، لا تسرق، لا تزن، لا تكذب، لا تعتد على جارك، أحب لأخيك ما تحبه لنفسك، أشفق على الفقير والضعيف وابن السبيل، الخ..
وبالتالي ففيما وراء الاختلاف الكبير في الطقوس والشعائر والعقائد هناك مبادئ كونية عامة تجمع بيننا كلنا سواء أكنا مسلمين أم مسيحيين أم يهودا أم بوذيين أم هندوسيين ام كونفوشيوسيين أم حتى مؤمنين بالفلسفة العقلانية فقط كما هو عليه الحال فيما يخص معظم سكان الغرب حاليا. ومعلوم أن الذين يذهبون إلى الكنيسة ويؤدون الشعائر الدينية في فرنسا لم يعد يتجاوز السبعة أو الثمانية بالمئة ومعظمهم من العجائز.
ولكن هذا لا يعني أن الآخرين ليسوا مؤمنين بقيم أخلاقية محددة. فالواقع انه لولا ذلك لخربت الدنيا في حين أن بلادهم عامرة مزدهرة بل وأكثر تطورا من كل البلدان الأخرى التي تمارس فيها الطقوس بكثافة اكبر بكثير. ينبغي العلم أن القيم التي نص عليها كانط مؤسس الفلسفة العقلانية الحديثة تلتقي بالقيم التي نص عليها الانجيل أو القرآن الكريم حيث تقول الآية الكريمة: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره. ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره). وهذا مبدأ كوني ينطبق على جميع البلدان والشعوب ومن اتبعه في سلوكه اليومي ربح الدنيا والآخرة.
وأخيرا يرى المؤرخ رينيه ريمون رئيس معهد العلوم السياسية في باريس سابقا والذي توفي منذ أيام عن عمر يناهز الثامنة والثمانين أن العالم الإسلامي يعيش حاليا أزمته الكبرى مع الحداثة وسوف يتغلب عليها لا حقا كما فعلت المسيحية التي عاشت نفس الأزمة في القرن التاسع عشر وتغلبت عليها.
وبالتالي فهناك مسافة مئة سنة أو مئة وخمسين سنة بين الأزمتين. فبعد أن كان المذهب الكاثوليكي يكفر جميع الأديان راح يعترف بها ويعلن احترامه لعقائدها وإيمانها عام1962. وأصدر عندئذ فتاوى لاهوتية جديدة جريئة جدا ومضادة للسابقة. وقال بما معناه: إننا نحترم عقائد المسلمين وإيمانهم ونريد أن نطوي صفحة الماضي الأليمة والسوداء إلى غير رجعة. نريد أن نطوي صفحة ألف وخمسمئة سنة من الصدام والصراع.
وهذا انقلاب فكري وديني رائع ما كان ممكنا في الماضي ولكنه أصبح ممكنا بعد أن تطورت أوروبا وتقدمت على كافة الأصعدة والمستويات. وبالتالي فالتطور ممكن حتى في الشؤون الدينية ولن تصلح أمور دنيانا قبل أن تصلح أمور ديننا: أي قبل ان نفهم ديننا بشكل صحيح وسليم. وسوف يجيء الوقت الذي يخجل فيه هؤلاء القتلة من ارتكاب كل هذه التفجيرات الإجرامية العمياء بحق أبناء شعبهم ونسائه وأطفاله في الجزائر أو العراق أو سواهما. وان غدا لناظره قريب..
كاتب سوري ـ باريس