يبدو أن حظوظ نيكولاي ساركوزي مرشح حزب القوى الشعبية للرئاسة الفرنسية كبيرة جدا للفوز بكرسي الرئاسة. ساركوزي إبن المهاجر المجري أستطاع أن يتغلب على الأصدقاء الأعداء داخل حزبه. حيث كان الصراع على أشده، لكن رغم كل الصعوبات أستطاع أن يهزم بلباقة ودبلوماسية كلا من دومينيك دو فيليبان، رئيس الوزراء، ووزيرة الدفاع أليو ماري وأخيرا الرئيس شيراك نفسه الذي استسلم في آخر لحظة ولم يرشح نفسه وطلب من الشعب الفرنسي أن يصوت لساركوزي.

فالفوز الأول الكبير الذي حققه ساركوزي هو الفوز بترشيح الحزب والانفراد بتمثيله في الانتخابات وقدرته الكبيرة على تجنب انقسام الحزب إلى كتل متنافسة. وهذا ما أكسبه احترام العدو قبل الصديق. ما حققه ساركوزي في اليمين فشل في تحقيقه اليسار الذي شهد تفتتا كبيرا حيث تتقدم للانتخابات ثلاثة أحزاب من التيار اليساري المعتدل وأربعة أحزاب من التيار اليساري المتطرف.

جاء ساركوزي الطموح والناشط والمثابر إلى السياسة في سن مبكرة بدأها من النشاط الطلابي وتقلد منصب عمدة أحد الضواحي الباريسية وعمره لم يتجاوز 28 سنة، ثم تقلد منصب وزير المالية وهو في الثامنة والثلاثين من العمر. وهذا ما أكسب الرجل الكثير من الخبرة والتعرف على كواليس ودهاليز السياسة الفرنسية.

كيف ستكون سياسة ساركوزي إزاء الجالية العربية في فرنسا؟ وموقفه من الدول العربية؟ والوضع في الشرق الأوسط؟ وعلاقة فرنسا بالولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا؟ وكيف ستكون سياسة فرنسا الخارجية في عهد ساركوزي إزاء القضية الفلسطينية وحرب العراق والشرق الأوسط والصراع العربي الإسرائيلي؟

كل المعطيات تشير إلى أن الجالية العربية في فرنسا ستعاني من قوانين صارمة ورادعة إذا أخذنا بعين الاعتبار سياسة ساركوزي إزاء الهجرة والمواقف الاستفزازية التي اتخذها قبل سنتين عندما واجه أبناء المهاجرين في مظاهرات ضواحي باريس ووصفهم بالحثالة ووعد بتنظيف فرنسا منهم. السياسة الخارجية الفرنسية في عهد ساركوزي ستتميز بالانحياز لأميركا والدعم اللا محدود لإسرائيل، وهذا يعني نهاية «الاستثناء» الفرنسي، ونهاية الديغولية ومحور فرنسا ـ ألمانيا.

بذهاب شيراك من الحكم سيفقد العرب رجلا كان له أصدقاء كثيرين في العالم العربي وعلاقات شخصية مع مجموعة من الزعماء العرب. كان شيراك يتفهم خصوصية هذا الجزء من العالم وفي أحيان عدة كان يعارض أو يقف في وجه الغطرسة الأميركية في الشرق الأوسط. ساركوزي زار أميركا قبل شهور طالبا بطريقة غير مباشرة ودها ورضاها ومعبرا عن نيته في إعادة بناء العلاقات الفرنسية الأميركية بعيدا عن الديغولية وسياسة شيراك.

وفي زيارته لأميركا لم يفوت ساركوزي الفرصة لمقابلة زعماء المؤتمر اليهودي العالمي حتى يكسب ودهم وبذلك مساندة يهود فرنسا له، الذين اشتهروا بمساندتهم لليسار. بالمقابل نلاحظ أن المرشح القوي لرئاسة فرنسا انتقد مرارا وتكرارا حركة حماس وحزب الله في لبنان والفكر القومي العربي المناهض لإسرائيل والسياسة الأميركية في المنطقة.

يبدو أن العرب سيكونون أكبر الخاسرين إذا فاز ساركوزي بسدة الحكم وهذا لعدة اعتبارات. فعلى الصعيد الداخلي لم يخف ساركوزي في العديد من المناسبات مواقفه الاستفزازية والسلبية تجاه الجالية العربية والمسلمة في فرنسا سواء تعلق الأمر بالحجاب أو بالهجرة أو حتى الرسوم المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم حيث أبدى دعمه ومساندته لفكرة نشر الرسوم في إطار حرية الصحافة وحرية التعبير. أما على الصعيد الدولي فنلاحظ توجه فرنسا للانضمام في عهد ساركوزي للمحور الأميركي البريطاني وهذا ما يعني الانحياز لإسرائيل على حساب العرب، والتواطؤ مع أميركا للانفراد بقيادة العالم وهذا ما سيقضي على محور ألمانيا فرنسا الذي كان موجود في عهد شيراك.

أعمال الشغب في ضواحي باريس من قبل شباب المهاجرين العرب والأفارقة قبل سنتين تعبر عن فشل فرنسا في إدماج الجيل الثاني والثالث من أبناء رعايا مستعمراتها السابقة والذين يعتبرون فرنسيين حيث أنهم وُلدوا في فرنسا وتربوا وترعرعوا فيها ويحملون الوثائق الرسمية الفرنسية. لكن رغم الوعود والشعارات ورغم التصريحات العديدة فشل المجتمع الفرنسي في إدماج الجاليات المختلفة التي اختارت فرنسا أرضا لتعيش فيها.

ففرنسا التي تدعي الحرية والمساواة والأخوة غير جاهزة وغير مستعدة لقبول الآخر وفشلت في إدماجه رغم أنها طلبت منه أن يذوب في المجتمع الفرنسي والثقافة الفرنسية من خلال سياسة الاندماج التي فرضتها عليه. وهنا نلاحظ أن ساركوزي غير مستعد لعمل أي شيء لمعالجة هذا المشكل، بل مواقفه في عدة مناسبات تشير إلى الأسوأ. وفشله في كسب أصوات المهاجرين جعله يتجه نحو حزب الجبهة الوطنية بزعامة «لوبان» للحصول على أصواته رغم أن أجندة الحزين مختلفة ومتباينة.

فالمتتبع اليوم لما يجري في دولة بحجم فرنسا وتاريخها ووزنها على الساحة الدولية ـ الدولة التي عارضت الحرب على العراق، والدولة التي تتغنى بالديمقراطية وبحقوق الإنسان وبالحرية ـ يلاحظ العنصرية والإقصاء والتهميش والفشل الدريع في عملية إدماج الآخر. فقانون «الهجرة المختارة» الذي ينوي ساركوزي تطبيقه، على سبيل المثال، يعبر عن النية الحقيقية لدولة لا تريد إدماج الأخر والاعتراف بالجميل الذي قدمه أبناء مستعمراتها في شمال إفريقيا وفي إفريقيا السمراء خلال السنوات الحرجة للتحرر من النازية والفاشية وبعد ذلك أثناء عملية البناء والتشييد. سياسة ساركوزي لا تخرج عن هذا الإطار مع الأسف الشديد.

وهم المساواة وواقع التمييز يعكس أطروحة منظر الإمبريالية الفرنسي «جول فيري» الذي قسم الشعوب والأمم إلى شعوب متحضرة ومتفوقة خُلقت لتقود شعوبا وأمما أخرى متخلفة وجاهلة وغير قادرة على إدارة وحكم نفسها بنفسها. قانون الهجرة المختارة وأعمال الشغب التي شهدتها فرنسا في خريف 2005 مؤشرات تعكس أزمة ضمير وتعكس أزمة في العلاقات بين الشعوب والأمم والديانات والحضارات.

فرغم التطور المادي والتكنولوجي الذي شهدته البشرية في العقود الأخيرة، ما زالت المنظومة الدولية تعاني من غياب التسامح والتفاهم والحوار واحترام الآخر بغض النظر عن عرقه ولونه ودينه ومعتقداته. هذا الفكر نلاحظه عند ساركوزي الذي يريد أن يطبق سياسة الانتقاء مع الجاليات المهاجرة إلى فرنسا حيث يقصي من يريد ويطرد من يريد ويحافظ على قلة قليلة حسب رأيه وهي القلة المتعلمة المثقفة والمهيأة للاندماج والذوبان في المجتمع الفرنسي.

فبعد مرور سنتين على أحداث الشغب في ضواحي باريس ما زالت فرنسا الرسمية لم تحدد معالم واضحة للتعامل مع مشكلة إدماج الجاليات الموجودة لديها خاصة وأن الشباب الذين تظاهروا هم أبناء فرنسا وُلدوا فيها والبعض منهم يكون الجيل الثاني والثالث لمهاجرين بنوا أمجاد فرنسا. ففي هذا الشأن يطالب ساركوزي بالهجرة المختارة والاستبعاد المنظم لمعظم للأشخاص الذين لا يتوفرون على وثائق شرعية، ومن جهة أخرى هناك اليسار الذي يرى أنه بإمكان فرنسا الاستفادة من الهجرة.

وبين هذا وذاك يدرك الملاحظ أن فرنسا لا تؤمن بالشعارات التي تروج لها وببعض المبادئ التي تقوم عليها حيث أن هناك فجوة كبيرة جدا بين شعار المساواة والعدالة وواقع التمييز الذي تعاني منه الجاليات في فرنسا. والمتتبع للحملة الانتخابية لساركوزي ولبرنامجه السياسي يلاحظ تهميش الجالية العربية والمسلمة وعدم تخصيص الحيز اللازم لهذه الفئة في المجتمع الفرنسي.

يعيش في فرنسا اليوم أكثر من خمسة ملايين مسلم وأكثر من أربعة ملايين من السود وأكثر من خمسة ملايين عربي. لكن هذا التنوع لا يعني الكثير لساركوزي الذي ينظر لهذه الجاليات والأقليات بعين الازدراء والاحتقار والتهميش والتمييز المنظم. فرنسا في عهد ساركوزي تكون أكثر تمييزا وعنصرية ضد العرب والمسلمين على أراضيها.

كما ستكون منحازة للحلف الأميركي البريطاني لصالح إسرائيل على حساب العرب دائما. من جهة أخرى، نلاحظ أن الجالية العربية في فرنسا ما زالت غير منظمة وغير مهيكلة للخوض في العمل السياسي والانخراط في المؤسسات السياسية الفاعلة في المجتمع من أجل المشاركة في الفعل السياسي والمساهمة في صناعة القرار.

أستاذ الإعلام ـ جامعة الشارقة