المساءلة واحدة من المبادئ المثالية العالية مثل العدالة وأسبقية الحق على القوة، تلك المبادئ التي نشعر بأنها رائعة نظرياً، ومخيبة للآمال عادة عند تطبيقها في الواقع، الا ان المثل يقول ما مات حق وراءه مطالب وحسناً فعلت جمعية موظفي البنك الدولي عندما طالبت من رئيس البنك الدولي بول وولفوفيتز تقديم استقالته وان يرحل غير مأسوف عليه بعد فعلته الشنعاء وفضيحته بان منح بعيد تسلمه مهامه على رأس البنك الدولي في العام 2005، صديقته الموظفة في البنك علاوة كبيرة دون موافقة محافظي البنك.

الفضيحة اعتبرها وزير التنمية الدولية البريطاني هيلاري بن «أساءت لسمعة» البنك المكلف مساعدة الدول الفقيرة. وكتب في احد المنتديات الالكترونية الداخلية الخاصة بموظفي المؤسسة المالية الدولية «كيف سنتمكن من النظر الى زبائننا وإلقاء مرافعات ضد المحاباة والفساد؟ لا يسعنا تقبل وقاحة هذا السلوك». ويواجه رئيس البنك الدولي بول وولفوفيتز حالياً اتهامات بالمحسوبية والمحاباة في الوقت الذي اطلق حملة واسعة النطاق لمكافحة الفساد عبر العالم لتطهيره من الرجس والفساد .

وولفويتز أستاذ الجامعة الذي تحول إلى مخطط حرب في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاجون)هو احد صقور المحافظين الجدد الذين قادوا الحرب في العراق وخططوا لها ، وكان الذراع الأيمن لوزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد واحد اهم ثلاثة اتفقوا على حرب العراق. وكان موقف الجمعية التي أوقفته موقف المساءلة عظيماً حينما أجبرته على الاعتذار حيث قال وولفوفيتز في مذكرة وجهها الى موظفي الهيئة المالية الدولية استطيع ان أؤكد لجميع الموظفين اني عملت باستمرار لاحترام هذه القواعد قدر المستطاع وسوف استمر في ذلك.

وتابع وولفوفيتز قائلا: بصفتي رئيسا لهذه الهيئة أتحمل المسؤولية الكاملة عن القرارات التي اتخذت في هذه الحالة. اللافت ان ولفوفيتز الذي يصنف نفسه كحامل للواء مكافحة الفساد قد يجبر على الاستقالة بسبب إساءة استعمال صلاحياته بترقية صديقته شاها رضا وزيادة مرتبها. وما يثير للسخرية هو ان البنك الدولي يعتبر نفسه سلطة أخلاقية وجمعية إحسان تقرض المال للدول النامية بشرط محاربة الفساد. والسؤال الذي يتبادر الى الذهن في حالة كهذه هو أليس من النفاق ان تطالب الآخرين بالتطهر من الفساد وأنت تمارسه؟.

يكاد المرء يضحك حتى يكاد يستلق على قفاه من هول ما يرى ويسمع في هذا الأيام فمنذ شهرين قام ولفوفيتز بجولة عالمية عبر بلدان العالم الفقيرة بدأها من جنوب شرق آسيا مرورا بالهند وفي كل مرة يحط رحاله في بلد يستعرض أفكاره نحو حلول مشكلات الفقر وأهمية محاربة الفساد لكي تنهض تلك الشعوب من كبوتها وفي جولاته يصر ان تلتقط له صوراً مع هؤلاء الفقراء وفي احدى المرات التقى مع بعض فقراء الهند ووجدهم من شدة البؤس

حيث لا يملكون شيئاً يستمتعون بحياتهم على طريقتهم بالغناء تارة والرقص تارة أخرى فحسدهم على ما يملكون من خفة روح ونزل معهم راقصاً وتم تصويره على هذه الحالة التي استغلها بعد ذلك ليروج لنفسه في المحافل الدولية ، ولينال تعاطف صديقه الرئيس بوش الذي أكد على ان ولفوفيتز منذ توليه رئاسة البنك الدولي والفقر في العالم في انخفاض.

وفي نفس الجولة قام رئيس البنك الدولي بول وولفوفيتز بزيارة رسمية لتركيا استمرت يومين وجال خلالها على بعض المعالم. وقد فوجئ الذين رافقوه الى مسجد السالمية في أدرنة بغرب البلاد، لدى خلعه حذاءه ليطوف في المسجد، بأن مقدمة جوربيه (مقطوعتان) عند الإبهام، وكأنه أراد ان يلفت الأنظار اليه ويرسل رسالة مفادها ان أعلى سلطة مالية في العالم نظيف اليد وهذا هو الدليل وانه لا يملك ان يغير جوربيه، فهل يرتقهما له مصرف المصارف، أم يقرضه لشراء زوج بدلاً منهما؟ هذا هو حال من كان مسؤولاً عن حرب العراق وأصبح مسؤولاً عن البنك الدولي ترى ماذا تفعل بنا الأيام.

mrashid@albayan.ae