بول وولفويتز، رئيس البنك الدولي، المؤسسة الأم لفلسفة التنمية الدولية والتي تسير على خطاها منظمات التنمية الأخرى في العالم، يعيش أجواء فضيحة يشتم منها رائحة الفساد. فقد تدخل في قرار رفع راتب موظفة في البنك أعلن عن ارتباطه بها بعلاقة عاطفية مما اعتبر انتهاكا للقوانين، وكان سعيه كما قال تفادي تضارب المصالح داخل المؤسسة والتعويض عن الخسارة التي ألمت بها نتيجة تنحيتها،

وكانت النتيجة أن أصبح معاشها أكثر من راتب وزيرة الخارجية الأميركية، كوندوليزا رايس.وقد قام بعد ذلك بإلحاقها بمكتب اليزابيث تشيني، ابنة صديقه نائب الرئيس الأميركي.وعلى إثر انفضاح الأمر وخروجه إلى العلن قدم اعتذاره وأعلن بكل بساطة انه لن يستقيل.

والبنك الدولي الذي يترأسه وولفويتز يعتبر أكبر مصدر لتمويل التنمية في العالم ولديه أموال أكثر من أي مؤسسة دولية أخرى، وكانت تقاريره قد أغرقت العالم بمواعظ حول أهمية الحكم الصالح ومحاربة الفساد، بل إن الأمور ذهبت إلى حد أن جميع التقارير الصادرة عن الأمم المتحدة ومؤسسات الدول الغنية وغيرها من المبادرات التي أطلقتها هذه الدول وضعت هذا الموضوع في سلم أولوياتها، واعتبرته من الشروط الأساسية لدعم الدول النامية بالأموال في إطار ما سمي «محاربة الفقر».

وكان الحديث عن محاربة الفساد قد ازداد خلال العقد الأخير في إطار سياسة الانفتاح على الاستثمارات الأجنبية وتقليص القطاع العام في الدول النامية وتخصيص منشآته ومرافقه، في حين لم يكن الفساد مشكلة في السابق حين كانت القروض مشروطة بشراء من شركات الدول الغنية ومتعهديها الذين كانوا يبيعون سلعهم للدول النامية بأسعار تفوق ما تستحقه بكثير، وحيث كانت أموال الفساد تذهب لتستوطن في مصارف تلك الدول التي لم تحرك ساكنا.

وولفويتز الذي انتقل إلى البنك الدولي بعد فشل سياسة غزو العراق التي كان من أكثر مؤيديها ضمن الصقور داخل الإدارة الأميركية وأبرز المفبركين لقضية أسلحة الدمار الشامل في العراق، تعرفنا عليه حين كان مساعدا لوزير الدفاع الأميركي، رونالد رامسفيلد، الذي برر السرقات والنهب التي اجتاحت بغداد تحت أعين القوات الأميركية في أولى ساعات الحرب.

وحين سقطت بغداد جاء بمساعدين له من الخارج لإدارة شؤون العراق، وبعد أن تبين مدى خرق سياسته زادت الدعوات الداعية إلى استقالته، لكن ما جرى هو أن الإدارة الأميركية بدل أن تنحيه قامت بترشيحه لمنصب رئيس البنك الدولي عام 2005.

لكن لم تمض فترة من الزمن حتى بدأ موظفو البنك يشعرون بالاستياء منه فقد جلب مستشارين له من الخارج مغلقا الباب أمامهم، وتصرف على ما يبدو كما يتصرف زملاءه الذين تلبستهم عنجهية القوة الأميركية، وهذا ما لم يرتضيه موظفو هذه المؤسسة المشغولون بالفقر والفقراء والمدافعون عن سياسة هذا البنك والذين أطلق عليهم أحد الصحافيين تسمية «أمراء الفقر»!

وإذا كان وولفويتز قد مارس سياسته لمحاربة الفساد بالشكل الذي يخدم مصالح الولايات المتحدة، فهذا الأمر أقل ما يدعو إلى الاستغراب في سيرة مسيرته المهنية التي خدم فيها في أكثر من إدارة أميركية مظهرا إخلاصه وإيمانه بالهيمنة الأميركية ذات القطب الواحد وضرباتها الإستباقية ضاربا بالحائط مؤسسات الأمم المتحدة وإطار التعاون مع الدول الأخرى.

لذا لم يكن مفاجئا إيقافه المساعدات لأوزباكستان بعد أن طردت القوات الأميركية في 2005 أو تحويله مبالغ إلى دول ساندت الولايات المتحدة في حربها ضد الإرهاب أو في معاقبة دول ضعيفة فقيرة وتعليق المساعدات لها لأنها لم تصلح حكمها كما ترتضيه مصالح الدولة التي يمثلها.ولهذا السبب أيضا تبدو سياسة هذه المؤسسة الدولية كغيرها من المؤسسات الدولية تلوينا من النفاق والانتهازية حيث المبادئ تتقلب بحسب ما ترتضيه المصالح.

لقد تلقى وولفويتز تطميناً من البيت الأبيض بأن الرئيس يدعمه وله ملء الثقة به، لكن بعض موظفي البنك وهم أصلا أربعة لم يعد يرقهم وجود الرئيس وقد أعرب العديد منهم عن ذلك، وفي المقابل فإن السيدة شاها رضا انتقلت إلى الولايات المتحدة حيث تفوح روائح الفساد من واشنطن حاليا، فهل سيستقيل وهل ستأخذ الدول الأوروبية المساهمة في البنك موقفا قاطعا في الأمر، أم أنها تجده يخدم مصالحها جيدا لاسيما في أفريقيا حيث يركز عمله بحسب تصريح الناطقة باسم البيت الأبيض؟