العمليات الإرهابية التي ضربت مجددا، خلال الأيام الماضية، في الجزائر وفي الدار البيضاء (مرتين)، والتي كانت ضربت سابقا في الرياض (2003 و 2004) وعمان (الأردن 2005)، وطابا وشرم الشيخ (مصر 2004 ـ 2005)، وكذلك في نيويورك وواشنطن (2001)، ومومباسا (كينيا 2002) وبالي (أندونيسيا 2002) وموسكو (2002)، والشيشان (2002 و2003) واستانبول (2003)، ومدريد (2004) ومومباي (الهند 2006)، وتلك التي تضرب في العراق يوميا، تنم عن ذهنية مريضة ومنطق أعمى، ورؤية عدمية لمغزى الحياة البشرية.

وهذه العمليات، التي تقوم بها جماعات جد صغيرة، منغلقة ومنعزلة ومنطوية على ذاتها، ليس لها ثمة من معنى، ولا جدوى، باستثناء أنها تعمم ثقافة العنف وتنشر الفوضى والدمار والفناء، في البلاد والعباد، على الأصعدة السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية. ومنطق هذه العمليات يتأسس على كراهية الآخر واستباحة الدماء، والاستهانة بحياة الإنسان، وادعاء الحقيقة، وتكفير المجتمعات، وهي لذلك عمليات مدانة ومرفوضة أخلاقيا وإنسانيا ودينيا؛ مهما كانت الشعارات أو الأغراض المراوغة التي تحاول أن تحتجب خلفها.

في المعنى المباشر، فإن هذه العمليات تسعى لإضعاف كثير من النظم القائمة، وإشاعة الفتن والفوضى في المجتمعات، وهي في ذلك تسهّل التدخلات الأجنبية في المنطقة العربية، وتمنحها كثيراً من المشروعية، بدعوى الدفاع عن النفس، وحفظ الأمن والاستقرار، والدفاع عن المصالح.

كذلك فإن هذه العمليات قدمت على طبق من فضة الأسانيد التي تدعم وجهات نظر تيار «المحافظين الجدد»، في الإدارة الأميركية، الذين طالما طالبوا بضرورة تغيير الأوضاع في الدول العربية، ولو بوسائل القوة، على أساس أن كثيراً من النظم السائدة تفتقد للديمقراطية ويعشش فيها الفساد، ما يجعلها بمثابة تربة خصبة لنمو الفقر والإحباط الذي هو بالمحصلة مصدر نمو نزعات التطرف وجماعات الإرهاب.

ولعل هذه الفلسفة بالذات هي مصدر إعادة النظر، لدى الغرب، بأسباب ضعف الاستقرار في المنطقة، باعتباره لا ينبع أساسا من وجود إسرائيل واحتلالها واعتداءاتها، بقدر ما ينبع من طبيعة كثير من النظم السياسية والاقتصادية والثقافية السائدة في المجتمعات العربية، وهي أيضا مصدر الدعوات الأميركية لفرض نوع من «الوصاية» على هذه الأنظمة العربية بدعوى إصلاحها وإعادة تأهيلها، ووضعها على سكة التغيير الديمقراطي والازدهار الاقتصادي، وفق مشاريع الشرق الأوسط الجديد أو الكبير أو الموسع.

أما من جهة إسرائيل فقد قدمت لها هذه العمليات خدمة لا تقدر بثمن، إذ استطاعت عبرها تعزيز مكانتها لدى الولايات المتحدة الأميركية، وبررت بها تنصلها من عملية التسوية، على أساس أن أزمة المنطقة لا تتعلق بوجودها، ولا باحتلالها، بقدر ما تتمثل بتأهيل العالم العربي، من الناحية الثقافية والسياسية، للديمقراطية والسلام!

أيضا ومن خلال هذه العمليات استطاعت إسرائيل ترويج نظريتها بشأن اعتبار الصراع مع الفلسطينيين صراعا على الوجود، وليس مجرد صراع من أجل تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية، وذلك في المجالين الإسرائيلي والدولي. كما ساعدت هذه العمليات على التشويش على عدالة القضية الفلسطينية، لدى الرأي العام العالمي، من خلال إيجاد نوع من المقارنة بين عمليات الإرهاب التي ضربت الولايات المتحدة وبالي واستنبول ومومباسا، والتي باتت تضرب في كل مكان، وبين العمليات الاستشهادية، التي كانت تضرب في المدن الإسرائيلية.

هكذا فمهما حاول القائمون بهذه العمليات التلطّي بمواجهة الاستكبار الأميركي والادعاء بمحاربة إسرائيل، فإن هذه العمليات التفجيرية العمياء، التي تفتك بالأبرياء، خدمت وتخدم بشكل مباشر وغير مباشر السياسات الأميركية والإسرائيلية، القائمة على الهيمنة وسياسة القوة وتجاهل حقوق الآخرين ومصالحهم ومكانتهم.

طبعا ثمة من يعتقد بأن الولايات المتحدة وإسرائيل لم تكونا بحاجة لهذه العمليات للمضي في فرض املاءاتهما وهيمنتهما على المنطقة، وهذا صحيح إلى حد ما، ولكن هذه المشاريع التي كانت مجرد مخططات، في إطار سيناريوهات عديدة، كانت بحاجة إلى تغطية وإلى مبررات لوضعها في موضع التنفيذ.

أيضا ثمة تحليلات تشير إلى أن مصدر نمو التطرف والإرهاب والعداء لليهود ولأميركا إنما ينبع من وجود إسرائيل ومن سياساتها المتعنتة والمتغطرسة ومن الدعم الأميركي لها، وبرغم من بعض الصحة في هذا الحديث، إلا أنه مجرد تفسير جزئي وسطحي ولا يعكس واقع الحقيقة. فهذه العمليات ليست مجرد عمليات فردية متفرقة قام بها أفراد للثأر من ظلم أو ضرر لحق بهم، وإنما هي عمليات مبرمجة تقوم بها شبكات منظمة (ولو كانت صغيرة ومحدودة) ولها، ربما، مرجعيات معينة سياسية أو فقهية، وهي شبكات ومرجعيات لا تكفر إسرائيل والولايات المتحدة كنظم سياسية، فقط، بل إنها تكفر حتى البشر والحجر فيهما! ثم أن هذا التكفير يشمل كل من لا يمت بصلة إلى فكر هذه الملة، وهذا يشمل حتى الناس في العالم العربي والإسلامي.

ومن ناحية ثانية فإن الإرهاب الذي ضرب بالجزائر والدار البيضاء، والذي ضرب سابقا في مصر، وأكثر من مكان في العالم العربي، والذي ترعرع في أفغانستان ووجد تربته الخصبة اليوم في العراق، لم يكن له علاقة البتة بالقضية الفلسطينية ولا بالقضايا العربية، ومصدر هذا الإرهاب ينبع من وجود بعض التيارات الأصولية / التكفيرية (كما قدمنا)، التي قسمت العالم إلى فسطاطين (الكفر والإيمان)، على طريقة تقسيمة بوش (من ليس معنا فهو ضدنا).

الآن فإن عزل نزعات التطرف وجماعات الإرهاب في البلدان العربية، وغيرها، وحصرها، ووضع حد لها، لا ينبغي أن يقتصر فقط على المجال الأمني، ولا أن يختزل بمجرد إجراءات رسمية حكومية، فحسب، إنما ينبغي أن يتم ذلك أيضا، عبر إدخال تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية، من خلال الاهتمام برفع مستويات التنمية الاقتصادية وتطوير البنى الاجتماعية، ومكافحة الفساد، وإصلاح مؤسسات الدولة، والارتقاء بمستويات التربية والتعليم، ونشر ثقافة التسامح واحترام الرأي الآخر، وإشاعة الحريات وفتح المجال أمام المجتمع المدني والمشاركة السياسية. كما يتطلب ذلك إيجاد أطر في المجتمعات، تعمل بالتعاون والتكامل مع الحكومات، من أجل محاصرة التطرف والإرهاب ووضع حد له.

أما على الصعيد الخارجي فإن الاكتفاء بمجرد التعاون الدولي لمكافحة الإرهاب، يمكن أن يقلص من فعاليات الجماعات الإرهابية، وأن يقلص من مخاطر عملياتها، لكن وضع حد لها يتطلب، أيضا، جملة من التحولات السياسية والاقتصادية، التي تتيح نزع الذرائع التي تتلطى خلفها تلك الجماعات، ويأتي ضمن ذلك. أولا: الإقلاع عن سياسات الغطرسة والإملاء، التي تتبناها الدول الغربية، وخاصة الولايات المتحدة، إزاء العالم العربي، والتي تتجاهل حقوقه ومصالحه وأولوياته.

ثانيا: وضع حد لسياسة محاباة إسرائيل، لاسيما من قبل الولايات المتحدة، والعمل بشكل حثيث وحاسم من أجل إيجاد حل للصراع العربي ـ الإسرائيلي، عبر بذل الضغوط اللازمة على إسرائيل، لوضع حد لتعنتها، وتهربها من الاستحقاقات المطلوبة منها، ولاسيما لجهة الانسحاب من الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة عام 1967، والاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وضمنها حقه بإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.

ثالثا: خلق الظروف المناسبة لتمكين العراقيين من تقرير مصيرهم بنفسهم، على أسس وطنية وديمقراطية، بعيدا عن التدخلات الخارجية الدولية والإقليمية، ووضع جدول زمني واضح لانسحاب القوات الأميركية من العراق.

رابعا: إيجاد علاقات اقتصادية متوازنة، بين الدول الغربية الكبرى، والعالم العربي، بحيث تتيح للعالم العربي الاستفادة من ثرواته، وإمكانياته، وتضعه على سكة التطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وبما يواكب المعايير الدولية.

كاتب فلسطيني

amkayali@scs-net.org