الأرقام باتت تصيب الرأس بالدوّار. حصيلة الموت العشوائي تبلغ مستويات غير مسبوقة؛ أكثر من مئتين في يوم عراقي واحد موغل في دمويته. «رائحة الدم اختلطت برائحة البارود». والمذهل والمفجع أن المجزرة تكبر في ظل مزيج من العجز والاستقالة والمكابرة. المقدمات التي سبقت هذا الجنون، مع التصعيد والتعقيد المستبدين بالموقف؛ كله يشير إلى أن الوضع قادم على المزيد من البضاعة نفسها. وهي بضاعة تنذر بخراب تتاري ثان؛ إذا بقيت الساحة خالية لها. أو إذا بقيت هي صاحبة اليد الطولى في الساحة.
كان الموت البغدادي بالمفرق. صار بالجملة. ويهدد بالانتقال من صيغة العمليات اليومية المحدودة إلى إطار الحرب الطائفية المفتوحة على مدى طول البلاد وعرضها. سلسلة التفجيرات الخمسة التي ضربت عدة أحياء في بغداد؛ وتعمدت تكديس الضحايا المحروقة بهذه الصورة، تبدو أنها مصممة لاستدراج ردود فعل من نفس العيار وبما يكفل وقوع التفجير الشامل، الذي تتسابق أطراف وجهات كثيرة على دفع الصراع في اتجاهه.
كما تبدو هذه الهجمات، التي استهدفت أمكنة محددة، وكأنها تحمل رسالة مفادها بأن المحاولات الجارية لتثبيت الأمن غير قادرة على تحقيق هذه المهمة؛ بحيث تكون النتيجة المزيد من الاستقطاب والاستنفار الطائفي وإعادة صياغته بصورة تضمن تعميق الفرز والاصطفاف في الخنادق المتقابلة.
التحركات، على مستوى التحالفات، التي شهدتها الأيام القليلة الماضية، تحمل مثل هذه العناوين. الإشارات التي تطلقها واشنطن تنطوي ليس على التخوف من لا جدوى الحل الأمني فحسب، بل أيضاً على اندفاع الوضع نحو الأسوأ وباتجاه الخروج عن السيطرة. وزير الدفاع روبرت غيتس يطلب من دول المنطقة «المساعدة» على تحقيق الاستقرار في العراق. بل هو يلجأ إلى التهويل لحملها على النهوض بهذه المهمة، من خلال التلويح بأن الفشل هناك لن تقع مضاعفاته على واشنطن لوحدها بل أيضاً على الجوار.
لم يسبق للإدارة الأميركية أن ذهبت إلى هذا الحدّ، لناحية مشاركتها أي دور في العراق. من البداية انفردت بهذا الملف. ثم لماذا الآن تدعو المنطقة إلى المساعدة وإذا كانت هناك حاجة إلى مثل هذا الدور فلماذا لا تشمل الدعوة المجتمع الدولي متمثلاً بالأمم المتحدة؟لا شك أن مصلحة الجميع والمنطقة في الطليعة، المساهمة في لجم الانزلاق العراقي المتسارع نحو الهاوية. لكن المسألة أبعد من توفر الرغبة. المحك في المقاربة. عليها يتوقف النجاح أو الفشل، في منع الانهيار. استحقاق مؤتمر شرم الشيخ القريب فرصة لاستنهاض كافة الأدوار والأطراف. وقد يكون اللقاء الأخير، قبل الطوفان.
الرسائل التي حملتها تداعيات الأيام الأخيرة واصطفافاتها، تنذر باقتراب الإعصار. الأزمة أخذت ما يكفي من مؤتمرات ومشاورات. الآن جاءت لحظة القرارات الدولية منها والإقليمية وبالذات العراقية. لم يعد العراقيون قادرين على التعايش مع اللملمة اليومية لأشلاء ضحاياهم. إذا بقي الحال على هذا المنوال فلن يكون هناك، في النهاية، من ينقذ العراق نفسه من التحوّل إلى أشلاء غير قابلة حتى للتعرّف عليها