لم يعد لدى المحافظين الجدد في واشنطن من حجج أو ذرائع لتبرير سياساتهم الخارجية التي ترتكز على منطقين أساسيين هما القوة والغطرسة. هذا ما شاهدناه في مناظرة قبل أيام في إحدى جامعات بوسطن الأميركية ونقلتها قناة «الجزيرة مباشرة» بين عبد الباري عطوان رئيس تحرير جريدة القدس
وريتشارد بيرل نائب وزير الدفاع الأميركي السابق حول الحرب في العراق والسياسة الأميركية في منطقة الشرق الأوسط. وكان واضحاً تغلب عطوان على مبارزه بيرل الذي بدا شاحباً ومتردداً وضعيفاً في دفاعه عن السياسة الأميركية لإدارة الرئيس بوش الذي كان هو نفسه أحد صناعها الأساسيين.
بعد أربع سنوات من الاحتلال الأميركي للعراق وبسببه نجد أن العراق يعاني التمزيق المذهبي والطائفي وتدهورا حادا للأوضاع الأمنية ونزوحا كبيرا للعراقيين بين المناطق المختلفة أو إلى الدول المحيطة بالعراق طلباً للأمن والهدوء والاستقرار. ويجب ألا ننسى أن العراق طبقاً لمعظم التحليلات والتصريحات السياسية الرسمية وغير ذلك تؤكد أنه يعيش حرباً أهلية فعلية الأمر الذي كان يتخوف منه الجميع دولاً وسياسيين.
بالرغم من ذلك رفض بيرل تقديم الاعتذار بعد طلب من عطوان بذلك وذكر أنه فقط يأسف لما يجري في العراق من دمار وقتل ولكنه لن يقدم الاعتذار لأنه ما زال يؤمن بأن المسؤولية الكاملة فيما يجري في العراق تقع على عاتق الجماعات العراقية التي سماها بـ «القاعدة والصداميين والإرهابيين الآتين من الدول المجاورة»، وليس بسبب الاحتلال الأميركي للعراق وما صاحبه منذ أربع سنوات.
لم يقتنع المحافظ الجديد بيرل بعد والذي كان داعماً شرساً لفكرة غزو العراق عام 2003 أن الأوضاع في العراق ما قبل الغزو بالرغم من وجود نظام ديكتاتوري جائر كانت أفضل كثيراً مما هي عليه الآن، حيث كان الشعب العراقي ينعم نسبياً بالأمن والهدوء ولم يكن قد قتل أكثر من 650000
بسبب الاحتلال الأميركي للعراق حسب ما ذكر في معظم الصحف العالمية. وحتى حينما ذكر بيرل أن نظام صدام حسين الوحشي قتل عشرات الآلاف من العراقيين الأبرياء فهذا لا يبرر ما اقترفته الإدارة الأميركية منذ احتلالها للعراق ولا يبرر مبدأ الاحتلال أصلاً.
فالاحتلال هو أكبر وأبشع جريمة ترتكب ضد الإنسانية.المشكلة أن الإدارة الأميركية الحالية تشن حروباً وتحتل دولاً أعضاء في الأمم المتحدة في الوقت الذي يتحدث رموزها الحاليون والسابقون عن الحريات والديمقراطية وعن عبث الأنظمة التوتاليرية أو الشمولية.
وينسى أو يتناسى هؤلاء الرموز أن السياسة الأميركية منذ وصول الرئيس بوش ونائبه للحكم وبسبب حروبها الكثيرة وغير المبررة تفتك بالشعوب والدول الضعيفة وتشوه أخلاق الأمم وتنشر الفساد وتزيف التاريخ وتعمل على إعادة تصنيف وتعريف الحقائق والحضارة برمتها.
إن الحرب التي تقودها الإدارة الأميركية ضد الإرهاب وكما جاء على لسان الرئيس بوش أنها حرب طويلة جداً ولكن الرئيس بوش لم يحدد لشعبه وشعوب العالم من هو العدو الحقيقي الذي سيحاربه كما كانت عليه الأمور في الماضي عندما حدد هتلر وموسوليني وتشرشل وستالين وغيرهم أعداءهم.
فهل أسامة بن لادن هو العدو الحقيقي وعندما تنجح الإدارة الأميركية بالقضاء عليه تنتهي المشكلة وتعلن الإدارة الأميركية انتهاء الحرب على الإرهاب؟ أم أن أعداء الإدارة الأميركية كثيرون ويصل عددهم إلى أكثر من مليار وربع المليار عدو؟
لقد مرت خمس سنوات على الحرب على الإرهاب ولا يبدو أن هذه الحرب قد أوشكت على الانتهاء ولا أحد يعرف إذا كانت ستنتهي على أية حال. ولكن المهم بالنسبة إلى بعض رموز هذه الإدارة من المحافظين الجدد أن إعلان الحرب على الإرهاب بدون أي تحديد للعدو أو الجغرافيا المعادية أو الفترة الزمنية لهذه الحرب يخلق ثقافة الخوف لدى الأميركيين ولدى الشعوب في دول الحلفاء المقربين من الولايات المتحدة في أميركا الشمالية وأوروبا.
وهذا ما أكده زبيغنيو بريجنسكي المستشار السياسي للرئيس الأسبق جيمي كارتر الذي قال: «لقد خلقت الحرب على الإرهاب ثقافة خوف في أميركا بسبب التدمير الذي أحدثته هذه العبارة ذات الكلمات الثلاث في قدرة أميركا على التعامل بفاعلية مع تهديدات من جانب عدد من المتعصبين. لقد تجاوز الضرر الذي أحدثته هذه العبارة الثلاثية أي ضرر كان يضمره المتعصبون الذين خططوا لأحداث 11/ 9».
فبزرع الخوف في المواطن الأميركي استطاعت الإدارة الأميركية أن تمارس أبشع أنواع الإرهاب المتمثل في احتلال دول ذات سيادة كما في أفغانستان والعراق، وأيضا بسبب الخوف استطاعت أميركا أن تخلط الأوراق والمفاهيم الفكرية والسياسية والعلمية بحيث أصبح لا يميز المواطن في الولايات المتحدة وأوروبا على سبيل المثال لا الحصر الفرق بين المقاومة ضد الاحتلال وممارسة الإرهاب ضد الأبرياء.
بالمقابل وبسبب سياسات الإدارة الأميركية المتطرفة ازدادت الرغبة لدى الشعوب في العالم لاسيما في العالم الثالث في مقاومة السياسة الأميركية أو «المشروع الأميركي العالمي»، وهذا بدا واضحاً في كل من دول أميركا الجنوبية ودول منطقة الشرق الأوسط.
لقد ساعد الفشل العسكري الأميركي في العراق وأفغانستان بسبب المقاومة الشرسة واستمرار مقاومة الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال الإسرائيلي وانتصار المقاومة اللبنانية ضد العدوان الذي شنته إسرائيل في يوليو 2006 إفشال المشروع الأميركي الاستعماري في المنطقة والعالم
وساعد شعوب العالم بمن فيهم الشعب الأميركي على فهم مشروع (شلة رموز اليمين الجديد) في واشنطن واتخاذ موقف رافض له، وهذا ما رأيناه في المسيرات الحاشدة ضد السياسة الأميركية في معظم دول العالم وانتخابات الكونجرس الأميركي التي أوضحت رغبة الشعب الأميركي الحر في وقف جرائم الإدارة الحالية ضد الإنسانية.
مما لا شك فيه أن الانتخابات الرئاسية الأميركية القادمة ستكون مهمة جداً في تاريخ الولايات المتحدة والعالم بأسره لأن الشعب الأميركي سيختار رئيسه الجديد على قاعدة استعادة الثقة والأمن والازدهار والحريات له ولباقي دول العالم.
إن الجمهور الذي حضر المناظرة بين عطوان وبيرل رفض بشكل قاطع منطق اليمين الجديد في واشنطن عبر الانتقاد اللاذع الذي وجهه لبيرل والذي يعكس الأزمة الحقيقية التي تعيشها الإدارة الحالية في الداخل الأميركي وخارجه لحين موعد الحساب في صناديق الاقتراع.
كاتب وباحث سياسي
isam997@hotmail.com