بتوقيعها على المعاهدة الدولية لمنع انتشار أسلحة الدمار الشامل ارتكبت الدول العربية خطأ، وهكذا يقول محمد البرادعي مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية. والخطأ هو أن توقيع الدول العربية لم يكن مشروطاً بأن توقع إسرائيل أيضاً على المعاهدة، وكان ذلك خطأ دون أدنى شك. ولكن يبدو أن البرادعي يتحدث عن الماضي من أجل تجاهل الحاضر.

صورة الحاضر الناطقة تفيد بأن إسرائيل تمتلك بالفعل ترسانة من الأسلحة النووية المتنوعة تشتمل على ما بين 200 و400 من قذائف الدمار الشامل. ومع ذلك فإن إسرائيل لا تتلقى من الوكالة الدولية مجرد استفسار فضلاً عن مساءلة.

والحجة الرسمية التي تتعلل بها الوكالة في هذا الصدد هي أن إسرائيل ليست طرفاً في المعاهدة الدولية لمنع الانتشار.. وبذلك فإنها قانونياً بمنأى عن سلطان الوكالة، وبنفس الحجة فإن برنامج إيران النووي يخضع للمساءلة والتفتيش لأن إيران من الدول الموقعة على المعاهدة الدولية.. وكذلك كوريا الشمالية.

إنها مفارقة غريبة بأكثر من وجه: دول تواجه عقاباً لأنها التزمت بالقانون الدولي.. ودول أخرى لا تطالها مساءلة لأنها تدير ظهرها للقانون، أما الأشد غرابة فهو أن الدولة الإسرائيلية التي لا يمتد إليها سلطان القانون تملك أسلحة نووية تعد بالمئات بينما تتعرض الدولة الإيرانية لحملة تهديد بالثبور وعظائم الأمور علماً بأن برنامجها النووي مصمم للاستخدام في أغراض سلمية.

الحملة الغربية ضد إيران انطلقت من دوافع سياسية صرفة. ورغم أنها حملة غير مشروعة فإنها مفهومة بالنظر إلى أن إيران مصنفة لدى الغرب كعدو استراتيجي لإسرائيل. لكن لماذا ينخرط في هذه الحملة مدير وكالة الطاقة الذرية المفترض ان يكون بحكم وظيفته الدولية محايداً؟

قالت دول الغرب ان لديها شكوكاً بشأن المنشآت النووية الإيرانية باعتبار أن لدى طهران مخططاً لإنتاج أسلحة نووية. ولدحض هذه الشكوك فتحت إيران أبواب منشآتها أمام فرق مفتشين دوليين من وكالة الطاقة الذرية،

وعندما فشل المفتشون أخيراً في العثور على أدلة تبرر الشكوك الغربية لجأت حكومات الغرب إلى منطق اللا معقول، فطالبت طهران بأن «تبرهن» أن مخططها النووي لا يشتمل على إنتاج أسلحة، ضاربة بعرض الحائط بالقاعدة الأزلية «البينة على من ادعى».

مؤخراً دعا البرادعي إلى «شرق أوسط خالٍ من أسلحة الدمار الشامل تنضم إليه إسرائيل وإيران»، إنها عبارة مشبوهة. فالبرادعي يساوي بين من يملك أسلحة دمار شامل ومن لا يملك، وإذا كانت مثل هذه الدعوة تليق بالغرب الحليف للدولة اليهودية فإنها لا تليق برئيس مؤسسة دولية من المفترض أن تتوخى النزاهة الحيادية،

وعلى هذا الأساس كان خليقاً بالبرادعي أن يقول إن إسرائيل هي الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي تمتلك ترسانة نووية.. وانه لكي تكون المنطقة خالية فعلاً من أسلحة الدمار الشامل فإن الخطوة الاستهلالية هي تدمير الترسانة الإسرائيلية.