لا يحتاج الأمر إلى مزايدة، لكنه يحتاج فعلاً لمعالجة وتأكيد، إن الانتماء للوطن والمجتمع احتياج وضرورة وأمن، بقدر ما هو تثبيت وتكريس للعلاقة الطبيعية المتناغمة بين الفرد ومحيطه سواء كان هذا المحيط: أصدقاء، عائلة، مدرسة، مجتمعا، دولة أو وطنا،

لا يمكن وصف العلاقة العميقة والمتداخلة بين الإنسان وكل الدوائر المحيطة به بمعزل عن قيمة الانتماء، وهذا ما أكد عليه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي في عرضه للخطوط الكبيرة والتفصيلية للخطة الاتحادية الاستراتيجية.

جاء التأكيد من قبل سموه واضحاً، بأن تعزيز الهوية والانتماء بالنسبة للأجيال الشابة أمر مهم وغير غائب عن بال صانع القرار، ما يعيد مجدداً فتح الملف الذي لم ينغلق لحظة في كل الأحاديث والمجالس والكتابات التي تصر على أن الانتماء والهوية الثقافية الإماراتية يتعرضان خلال المرحلة الحالية،

ونتيجة لمستجدات دولية ومعطيات داخلية لمخاطر التآكل والذوبان، ما أدى بالبعض للمطالبة بمسألة القبول بالأمر الواقع والانطلاق منه، حيث لا يمكن علاج المشكلة السكانية بكل خللها وارتباكاتها، لأن الموقف قد تأخر كثيراً على أي حل، ومع يقيننا بأن المشكلة السكانية معقدة وصعبة ومتراكمة منذ سنوات وأجيال،

إلا أن القول بانعدام الحل وانسداد الأفق أمر غير مقبول تماماً، حيث لابد من حل، وهذا ما قاله صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد أثناء عرضه للاستراتيجية بوضوح: «نعلم أن الوضع السكاني خطير، ولكننا وضعنا الحلول للتصدي لهذه المشكلة».

وكما قلنا سابقاً، نكرر بأن الإنسان بقدر ما يحتاج إلى الطعام والشراب والملبس والمسكن وتقدير الذات والمحبة ودفء العائلة، فإنه يحتاج إلى الانتماء، الانتماء للمجموعة (الأصدقاء والعائلة والنادي...) والانتماء الأكبر والأهم وهو الانتماء للوطن والشعور بالتميز الثقافي أو بوضوح الهوية الثقافية،

هذا الأمر لا يأتي من فراغ ولا يتأسس بمعزل عن مناهج التعليم التي تغرس هذه القيمة في كل لحظة وكل حصة وكل نشاط وكل سنة من سنوات التعليم، ولا بمعزل عن برامج الإعلام والندوات وخطب المساجد والسلوك العام في المؤسسات والشارع وأولاً وأخيراً داخل الأسرة.

إن الانتماء إحساس واحتياج فطري، لكنه مثل الإيمان يزيد وينقص ومن الممكن أن ينعدم، إنه كأي ملكة أو موهبة عند الإنسان يمكن تنميته بما يجعله متألقاً ومفعماً بالعافية، ومن الممكن أيضاً تجاهله والعمل على قتله وما أكثر الوسائل والطرق التي يتم بها قتل الانتماء للوطن والهوية، وهذا ما يجب الالتفات إليه وتداركه قبل أن نجد شباباً وشابات يجدون في إنكار العائلة والوطن والتضحية بهما أمرا عاديا كأي أمر عادي يمرون عليه دون اهتمام.

لا نريد الدخول في الجدل والمقارنات، ولا فيما يمكن أن يقود إلى تهم الرومانسية والعاطفية وعدم الواقعية، لكن قصة الشاب الكوري الذي ارتكب مجزرة جامعة فرجينيا بالولايات المتحدة، قصة واقعية تماماً لمدى ما يمكن أن يصل إليه الإنسان حين يفقد حبه وحرصه وخوفه وانتماءه لمحيطه وأصدقائه وجامعته ووطنه.

sultan@dmi.gov.ae