الحمد لله يوما بعد يوم تظهر تقارير عالمية تؤكد أن حكومتنا الاتحادية تتحرك إلى الأمام، ففي عام 2005 تقدمت دولة الإمارات العربية المتحدة إلى مرتبة متقدمة في مجال مكافحة الفساد الإداري والمالي، لتحتل المرتبة (30) مسجلة (2, 6) نقاط من أصل عشر نقاط على مؤشر مدركات الفساد، ولم يسبقها على مستوى الدول العربية والشرق الأوسط سوى سلطنة عمان بفارق (1, 5) نقاط، وتليها قطر في المرتبة (32).
وفي هذا العام تتقدم مجدداً حكومتنا الاتحادية خطوات إلى الأمام، ففي الأسابيع الماضية ظهر مؤشر مدركات الفساد لعام 2006 الصادر مؤخرا عن منظمة الشفافية العالمية، حيث احتلت الإمارات المرتبة الأولى في العالم العربي، محققة معدل (2, 6) نقاط مقارنة مع قطر التي حلت في المرتبة الثانية عربياً بمعدل (6) نقاط.
وأظهر التقرير الذي يستند إلى عدة دراسات أجرتها مؤسسات بحثية مستقلة لضمان النزاهة والدقة للتأمين، أن مدى الثقة التي تتمتع بها الإمارات يتراوح بين (6, 5) و(9, 6) نقاط على المقياس عينه. إن التحسن الملحوظ في موقع دولة الإمارات لا يعني بالضرورة أن الفساد لم يعد من المشاكل الأساسية التي تعاني منها الجماهير الإماراتية.
نعم، نحن نشعر بالسعادة لأن بيان المنظمة ذكر أن الإمارات العربية المتحدة سجلت نتائج أفضل. لكن هذه الشهادة لا تعني أننا قد فرغنا من مهام مكافحة الفساد في مؤسساتنا الاتحادية، لأن السير بعض الخطوات إلى الأمام لا يعني الوصول إلى نهاية الطريق.
إننا مازلنا على مشارف المدينة الفاضلة، لأن الإصلاح الإداري والمالي ليس بالشيء الهين، بل هو عملية متواصلة ومستمرة، ينبغي ان نبدأ بها فورا، وبذل أقصى الجهد من أجل الوصول بالمؤسسات الحكومية إلى أفضل أداء واقل معدل للفساد، حتى يمكن ان نرتقي بدولتنا إلى المكانة اللائقة بها بين دول العالم المتقدم والمتطور.
وحتى يعرف القراء مدى أهمية تلك النتائج في مسيرة التقدم لحكومتنا الاتحادية، لابد من تعريفهم بمنظمة الشفافية العالمية وطبيعة تكوينها.. تأسست عام 1993 على يد «بيتر ايجين» احد الكوادر السابقين في البنك الدولي، وتضم اليوم فروعا وطنية في أكثر من سبعين بلدا، ويقوم النشاط الرئيسي لمنظمة «الشفافية» على الإصدار السنوي لمؤشر «مدركات الفساد» والذي بدأت بنشره للمرة الأولى عام 1995.
ويصنف التقرير الدولي بحسب درجة الفساد التي يسود الشعور بانتشارها في الإدارات الحكومية وفي أوساط رجال السياسة، وقد اتخذت المنظمة قاعدة تمتنع بموجبها عن تسمية الشركات المفسدة لتحصر انتقادها في الدول فقط.وهنا تكمن نقطة ضعفها الرئيسية لأن بعض الشركات المتعددة الجنسية لا تملك ارتباطات وطنية وتلغيها المنظمة سلفا من حقل رقابتها، وتقترح المنظمة أنماط سلوك على الشركات والدول.
وتفاديا للجدل الذي دار حولها صارت «منظمة الشفافية» تعدل من أحكامها السلبية وتعطي لترتيبها شرعية نسبية وهي توضح أن البلد الوارد في أسفل ترتيب ذاتي لا يتضمن جميع دول العالم، لا يمكن ان يعتبر نفسه أكثر البلدان فسادا في الأرض.
هذا عن المنظمة، اما مؤشرها فلابد من التوقف عنده لبيان ماهيته وطبيعة وظيفته، ان هذا المؤشر يقيس مستوى إدراك الفساد لا الفساد نفسه، أي انه يعكس الصورة التي يراها المستفتون عن البلد المصنف بالنسبة للفساد الإداري والمالي والسياسي فيه،
فبعد تجميع المعلومات من المصادر المختلفة يعطي كل بلد نقطة من أصل عشر نقاط ثم ترتب البلدان المشمولة على سلم من الأقل فسادا إلى الأكثر فسادا ومؤشر منظمة الشفافية العالمية الخاص بمستويات يسلط الضوء على الدول التي سجلت أقل وأعلى معدلات الفساد في القطاع الحكومي.
وتعتبر الشفافية حجر الأساس لتمكين المواطنين والاعلام من محاسبة الإدارة والمسؤولين عن ممارستهم للمهام الموكلة إليهم والمساءلة من خلال قانون انتخاب عادل وتمثيلي يسمح للمواطن باتخاذ القرارات المناسبة في اختيار ممثليه إلى المجلس الوطني بناء على أدائهم وممارستهم.
ويصنف المؤشر دول العالم حسب المستوى المقدر لقبول الرشاوى لدى السياسيين وموظفي القطاع العام فيها انه مؤشر مركب اعتمد على 17 عملية استقصاء أجرتها 15 مؤسسة مستقلة شملت رجال أعمال ومحللي مخاطر من تلك الدول، من أهل البلاد والوافدين والمقيمين فيها.
ويركز المؤشر على الفساد في القطاع العام، ويعرف الفساد على انه سوء استعمال الوظيفة في القطاع العام من اجل تحقيق مكاسب شخصية. وقد طرحت الاستفتاءات المستعملة لجمع المؤشر أسئلة ذات صلة باستغلال المركز الإداري لتحقيق مكسب شخصي، مركزه على سبيل المثال على قبول الموظفين الحكوميين الرشوة في المشتريات الحكومية وعلى انه ينبغي توضيح ان مصادر المعلومات لا تميز بين فساد الإداريين وفساد السياسيين.
وقد تم استقاء المؤشر من عدة حملات لاستقصاء آراء رجال أعمال وأكاديميين ومحللي مخاطر من الدول التي جرت فيها الدراسات من الأجانب المقيمين فيها. انه يعطي لمحة عن آراء صانعي القرارات المتصلة بالتوظيفات المالية بالتجارة في تلك الدول.
كما انه يراكم إدراك الناس لقضية الفساد ويلفت اهتمام الحكومات للصورة السلبية التي يخلقها تدني مرتبة البلاد على سلّم المؤشر، مما يقدم سبباً آخر لتلك الحكومات لتصحيح الأوضاع.ويسعى مؤشر «مدركات الفساد» إلى تقييم مستويات الفساد في مختلف الدول، بينما مؤشر تقلبات الفساد يهتم بمواقف الناس من تقلب تلك المستويات.
ويطرح مستوى التقلب سؤالاً حول مدى تأثير الفساد في حياة الأفراد والعائلات، فتأتي الأجوبة متفاوتة وقد لا يكون لها صلة بمستويات الفساد. إن الدول الأقل نقاطاً هي تلك المقدرة الأكثر فساداً بين الدول المذكورة في المؤشر. خاصة وأن المؤشر مستقى من استطلاعات هي عبارة عن لمحات زمنية معينة تعكس وجهات نظر وخبرات.
وتبحث منظمة الشفافية العالمية عن المعلومات الدقيقة لإعداد مؤشر مدركات للفساد. وكي تلاقي المعلومات قبولاً يجب أن تكون حسنة التوثيق، وأن تكون وفيرة بما يسمح الوثوق بها. وتسعى منظمة الشفافية الدولية للتأكد من أن المصادر المعتمدة هي من الصنف الأفضل، وأن عملية الاستقصاء تجرى على أعلى مستويات التجرد وأن تكون منهجية التحليل ممتازة.
إن الفساد في الأجهزة الإدارية يمثل عقبة رهيبة أمام التنمية المستدامة ويكلف خسائر كبيرة من الأموال الحكومية التي لها حاجة ماسة لتمويل التعليم، والرعاية الصحية وتخفيف البطالة ... الخ. لذا لا بد من أن يفكر كل مواطن مخلص في كيفية مواجهة الفساد الإداري وأن يساهم في وضع معايير لضبط الفساد، وزيادة معدل الإصلاح الإداري الذي لن يتحقق من دون ضبط الهيكل العام للوظائف الحكومية،
وتطوير القوانين وتفعيلها، والرقابة الفعالة، والتوعية المجتمعية، ووضع معايير صارمة للتعيينات الحكومية، حتى يأتي اليوم الذي تكون فيه دولتنا الاتحادية ليست فقط الأولى عربياً، بل الأولى على مستوى العالم، وليس هذا ببعيد، والسنوات السابقة تكشف عن تحرك قوي لدولة الإمارات على سلّم التقدم،
واليوم نحن الدولة الأولى عربياً في مجال مكافحة الفساد، حسب مؤشر مدركات الفساد لعام 2006 الصادر مؤخراً عن منظمة الشفافية العالمية، وفي العام المقبل نتطلع للتحرك إلى مرتبة أكثر تقدماً، وليس هذا بمستحيل في ضوء السياسات الجادة للحكومة الاتحادية في الدولة، أقصد حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة، والله من وراء القصد.
جامعة الإمارات
Razak _ doc@hotmail.com