ينفتح الوضع العراقي على المزيد من المخاطر والمعضلات القاتلة، التدهور الأمني التقليدي، ما عاد وحده السمة الطاغية عليه، دخلت على الخط تطورات جديدة، تهدد بالأعتى والأدهى. وهي تتفاقم وتتصاعد. بدأت ترمي بظلها الأسود على المشهد، لتجعله أشد سواداً.
إلى جانب الاحتلال والقتل والعنف الدموي المنفلت من كل عقال، دخل الكيماوي المتنوع والنزوح المتزايد، على المعادلة العراقية. خلطة ثقيلة قاتلة، ينوء تحتها البلد؛ الموجود أصلاً في غرفة العناية الفائقة. بل هو قد لا يقوى على تحملها، إذا ما بقيت على خطها البياني الصاعد. فالعنف بدأ يتخذ منحى نوعياً أكثر شراسة وخطورة. أخذ في الانتقال من القتل بالنحر والتفجير إلى محاولة القتل بالإبادة. منذ فترة، كانت البداية بمادة الكلور.
شاحنة مملوءة بمئات الغالونات من هذا الكيماوي يجري تفجيرها في المكان الصاخب بالحركة. والهدف إنزال أكبر عدد من الإصابات والضحايا؛ فضلا عن تسميم الأجواء القريبة للفتك بالمزيد من الأرواح. تكررت هذه العملية. يعني أنها في طريقها للاستخدام المتوسع.
أمس ارتقى الاستعمال إلى الأخطر إلى الاستعانة بكيماوي آخر أشد فتكاً. شاحنة تحمل حاويات تحتوي على حامض النتريك، كانت جاهزة للتفجير. لحسن الحظ تم العثور عليها في الوقت المناسب وجرى إحباط المحاولة. العثور حصل بالصدفة. تكراره غير مضمون، في ضوء الانفلات المعروف. وبكل حال، الخطر المخيف هنا في دخول هذا السلاح إلى ترسانة الصراع الدائر؛ والإصرار على استخدامه.
في ذات الوقت يحوم فوق العراق شبح التفريغ. موجات النزوح تتوالى. اللاجئون صاروا بالملايين. عملية لها تداعيات شديدة السلبية على صعيد وحدة البلد وتركيبته السكانية، فهي تعزز الفرز؛ كما تزيد من تعقيدات الوضعين الأمني والسياسي. فضلاً عن جانبها الإنساني.
المؤتمر الذي قامت بتنظيمه «وكالة شؤون اللاجئين» التابعة للأمم المتحدة، أول أمس في جنيف؛ جاء بأرقام تنذر بوقوع نكبة. منها أن واحداً من كل ثمانية عراقيين؛ يترك دياره. حوالي مليونين نزحوا داخل العراق. عدد مماثل غادر إلى الخارج. ثمانية ملايين بحاجة إلى مساعدات عاجلة.
وكانت تقارير أخيرة قد أشارت إلى درجة الخطورة التي وصلها الوضع الصحي. خاصة على مستوى توافر الأدوية اللازمة. وتقرير آخر ذكر أن عدد اليتامى في بغداد وحدها يناهز 900 ألف. الأمين العام للأمم المتحدة رفع الصوت عالياً، لمساعدة اللاجئين العراقيين. خمسون ألفاً، حسب المؤتمر، يغادرون شهرياً مساكنهم هرباً من العنف الطائفي.
تنطق هذه الأرقام بحقيقة مفجعة هي أن العراقيين باتوا أمام «أزمة بقاء». وفي أحسن الأحوال أمام نكبة ترحيل لها طابع التطهير، الأعداد في تزايد. ومن دون مجازفة يمكن القول ان عملية النزوح مرشحة للتفاقم، إذا ما واصل الكيماوي اختراقه للساحة يكفي نجاح بعض عملياته حسب ما هو مخطط لها، لتحدث موجات رحيل متواصلة. ومن الصعب استبعاد هذا الاحتمال في غياب الحد الأدنى من التوافق الوطني المطلوب.