السلطة التشريعية هي سلطة ذات قوة ونفوذ وهي سلطة يفترض ألا تكون حكراُ على أفراد أو جماعات بعينهم، بل إن حركية هذه السلطة يخلق قدرا مهما من الحراك السياسي العام. وهي سلطة إن تمثلت بقدر من النزاهة والأمانة انعكس ذلك على أداء السلطات الأخرى وأن تمثلت بالفساد وانعدام النزاهة عززت كل ذلك في السلطات الأخرى.

وليس بالضرورة أن كل من انتخب وجاء لهذا البرلمان ممثلا للشعب أن يكون الأفضل والأكثر نزاهة، بل إن هناك في السلطات الأخرى التي يفترض أن تحاسبها السلطة التشريعية من هو أكثر نزاهة وأمانة وصدقاً من ممثلي الشعب. وتزخر البرلمانات حول العالم بقدر مهم من «ممثلي الشعب» الذين انتفت عنهم الأمانة والنزاهة والصدق، والذين من يوم أن تبوأوا مقاعدهم الوفيرة ممثلين للشعب انتفخت أوداجهم وتضخمت جيوبهم وزادوا الفساد فسادا. وبالمقابل فإن هناك من كان منهم صادقا في تمثيله نزيها في مواقفه عاملا للصالح العام لا الخاص.

أقول ذلك تعليقا على الخبر والتحليل الذي جاءت به مجلة اللوموند دبلوماتيك الفرنسية حول فساد بعض نواب البرلمان الفرنسي، وقدرة اللوبيات الصناعية المختلفة والممثلة للصناعات الغذائية والرياضية وصناعات الأدوية في التأثير على اتجاه تغيير القوانين المتعلقة بهذه الصناعات وفي تجيير أصوات بعض من النواب لصالحها (انظر جريدة اللوموند دبلوماتيك عدد 3 مارس 2007).

وإذا ما كان هذا الأمر يحدث في الدول الديمقراطية ذات الدرجة الأعلى في الشفافية وسيادة القانون وذات القوة التأثيرية الأقوى لمنظمات المجتمع المدني، فكيف هو الوضع في برلمانات العالم الثالث وتحديدا في الديمقراطيات الناشئة؟

وتبرز قصص فساد ممثلي الشعب في برلمانات أوروبا الشرقية وفي روسيا وفي الفلبين ولربما في أفريقيا كأحد أهم تحديات تعميق الممارسة الديمقراطية وتجاوز معضلات المرحلة السابقة على التحديث السياسي.

وتمثل آلية محاسبة النواب على مواقفهم ومغانمهم أحيانا مشكلة أصعب من محاسبة السلطات الأخرى. فإذا كانت المجالس التشريعية هي السلطة المكلفة والمخولة بمحاسبة السلطة التنفيذية فمن هو المخول والمكلف بمحاسبة السلطة التشريعية وتجاوزات أعضائها ومغانم بعضهم التي فاقت التصورات وتجاوزت المعقول في ظل ضعف، في بعض المجتمعات العربية، لمنظمات المجتمع المدني ذات العلاقة.

وفي ظل استقطاب إثني قائم على القبلية والفئوية والمذهبية والطائفة، والذي باتت عملية الهروب إليه منقذة لكل فاسد وكاسر للعرف والقانون، بمن فيهم أعضاء لبرلمانات منتخبة، فإن وجود نظام حاكم ومحاسب لأعضاء البرلمان بات في بعض هذه المجتمعات أكثر من ضرورة.

ومع ذلك فإن مجلس الأمة الكويتي يبرز كأحد أهم البرلمانات العربية القادرة على الحد من انتشار الفساد في المؤسسات الرسمية الكويتية رغم غياب قانون براءة الذمة عنها، كما إن وجوده في مصر وغيرها من الدول لم يمنع من حدوثه في أوساط «ممثلي الشعب». وتبقى قوة منظمات المجتمعات المدني الضامن ليس فقط لحدوث الإصلاح والدمقرطة وإنما كقوة رقابية على أفراد باتوا في بعضهم ممثلين للشعب وإن عملوا في الخفاء خلاف مصالحه.

ورغم حداثة التجربة الديمقراطية المحلية ورغم الإشكاليات الجمة التي قد تواجه هذه التجربة والمنخرطين فيها على الواقع، إلا أن كل ذلك لا يمنع ما يحدث هناك أن يحدث هنا أو أن تنتقل العجوة وفيروسات الفساد والمحسوبية لبعض أعضاء السلطة التشريعية. فأمام شعور البعض منهم بالقوة غير الخاضعة للمحاسبة أو الضبط فإن توظيفات هذه القوة ليس بالضرورة قد يكون عقلانيا.

وانتماء أغلب أعضاء المجلس لجماعات الإسلام السياسي، لا ينفي عن هذه الجماعات أو بعضها، ما يثار حول محسوبية البعض والتوظيف المصلحي للقوة التي باتوا يتمتعون بها. فالكثير من اللغط الذي يثار والذي قد يصل أحيانا لدرجة التجني على هؤلاء والذي يفتقر في الكثير من الأحيان للشواهد والثوابت، يدور حول التوظيف المصلحي لبعض النواب من أجل أنفسهم وأقاربهم وأعضاء الجماعات السياسية المباشرين وأفراد من الطائفة أو العشيرة، قبل أن يكون توظيفا من أجل الوطن والمواطن، وكذا حول ما يقال عن المغانم التي يُعتقد أن البعض منهم قد فاز بها دون البعض الآخر.

وقد تقدمت كتلة المنبر الإسلامي الفصيل الممثل لحركة وجماعة الإخوان المسلمين في مجلس النواب البحريني بمشروع قانون أسموه «من أين لك هذا». وهو مشروع أقرب إلى براءة ذمة من يتبوأ المناصب العامة والقيادية في القطاع الحكومي والمؤسسات التي تمتلك الدولة فيها أكثر من 50% من أسهمها، وهو قانون ينطبق على الوزراء والمديرين والعاملين في المناصب العليا. وهو مقترح كما يقول مقدموه يعمل به في مصر وليبيا تحت مسميات مختلفة، إلا أنه وفي الوقت ذاته لا يشمل النواب أنفسهم ولا يخضعهم لذات المساءلة والتحقيق.

وأعتقد أن مشروعا كهذا على درجة كبيرة من الأهمية ليس من أجل ضبط استشراء الفساد في القطاع الرسمي والعام، وإنما ليشمل كذلك أفراداً من السلطة التشريعية والذين لكونهم بشرا كذلك ليسوا منزهين عن الخطأ، أو أن يكون بعيدا عن إمكانية الوقوع في مطب الفساد و«القبض» كما يقول أو يدعي البعض.

ولربما تحكي الفيديوهات المسجلة على بعض أعضاء مجلس الشعب المصري إبان فترة تبوء زكي بدر لوزارة الداخلية، ليس فحسب مسألة «القبض» والفساد التي قد تتم على يد بعض من ممثلي الشعب، وإنما سقوط بعضهم في مطب الرذيلة والإتيان بممارسات لا أخلاقية وهابطة، وهم الذين يفترض أن يكونوا الحامين لتطبيق القانون و«حراساً» للشرع والأخلاق والمحاربين للفساد.

وقد يكون بعض ما يتم تناقله على ألسنة العامة وفي بعض مواقع الأنترنت عن ممارسات تتم تحت الطاولة لبعض ممثلي الشعب في بعض البرلمانات العربية ولربما الإقليمية، والتي قد يقصد منها الإساءة أو النيل من البعض منهم، تحتاج إلى وقفة ومصارحة، وهو الأمر الذي قد يتطلب من كل هؤلاء قبل البدء بالآخرين أن يكون البدء بهم ومنهم. أي أن يكونوا هم في الأساس أشخاصاً ممثلين للنزاهة والطهارة والعفة قبل أن يطالبوا الآخرين أن يكونوا عليها أو أن يتمثلوا بها وبسماتها.

فأنت كسياسي قد لا تكون قادرا على أن تكون نزيها ومتسامحا وإن حاولت لعب أدواره، إذا لم يكن ذلك جزءا من مركبك الشخصي الذي لا يمحوه التظاهر به أو التمثيل عليه. كما إن ذلك يتطلب ضرورة تجاوز فهم العمل السياسي الضيق الذي يقوم على أن مغانمه وخيره مقتصر حصراً على من تحبه، وأن الإتيان ببعض مما سبق، قد يكون في بعض أوجهه عملا مناهضا للدولة بمفهومها العام، غير داعم لها على المدى البعيد، وإن جاء ببعض من الثمار الآنية. والله من وراء القصد.

كاتب بحريني