مع تواصل التأزم السياسي لابد من البحث من أجل تشخيص مسببات هذا التأزم الذي أتى بتشكيلات وزارية في ثلاث مناسبات خلال أقل من سنتين، أفرزتها المواجهة المستمرة حول الاستجوابات. وليس من المنكر أن يكون من ضمن التشخيص النظر في هيكلة الدستور وفي بنوده وفي منطلقاته للتعرف على دوره ـ إن كان له دور ـ في استمرارية التأزم.وهذه ممارسة عادية تقوم بها الدول عندما تتواصل الأزمات في جهد للحفاظ على الاستقرار الذي يحتضن التنمية وخطتها المستقبلية.
وأعتقد بأن ردة الفعل على الاجتهادات حول الدستور فيها الكثير من المبالغة والحدة والسخط غير المبرر، فالدستور ليس كتاباً منزلاً وإنما هو صناعة بشرية اجتهدت، لكن الممارسة أظهرت وكشفت مواقع الخلل لابد من معالجتها، ليس بالأسلوب الهجومي العاصف وإنما بالدراسة المتأنية، فلا يوجد ما يمنع إضافات أو تعديلات إذا كان ذلك منسجماً مع المصلحة العامة ومع ترسيخ قواعد الاستقرار وممتثلاً لتوجهات التطور المستقبلي.
ويمكن أن نحدد بعض الخطوات التي قد تسهم في تعزيز المنظومة الديمقراطية:
أولاً: يجب أن نتحدث بصراحة عن تحديث الممارسة الديمقراطية لأحكام الدستور، وليس عن تنقيح الدستور، ونتحدث عن نواقص رددها الجميع بأن جوهر الديمقراطية هو تداول السلطة وقيام الأحزاب وحكم الأغلبية وهي ثقافة واسعة في الممارسة السياسية وليست فقط انتخابات ومجلس، إنما هي فواصل متعددة تعبر عنها حرية رأي تنظمها سيادة القانون وإذعان الجميع له، والامتثال لأحكامه دون سعي للانقضاض على أحكامه وتقويض قواعد الانضباط السياسي والاجتماعي.
نحن نتحدث عن أجزاء جوهرية غائبة، أبرزها غياب نهج الأغلبية للحكومات البرلمانية، ويمكن القول بأن سبب التأزم الدائم هو غياب الغطاء الدستوري عن الحكومة مما يجعل مواجهتها أمراً سهلاً، ومن الممارسة اكتشف النواب أن أفضل أسلوب للمواجهة هو الاستجواب الذي ينفرد بالوزير دون أغلبية تحميه، مع تحييد تام لأعضاء الحكومة في التصويت حول مصير الوزير، وبالتالي مصير الحكومة.
في واقع اليوم يستطيع أي نائب أن يضع الكويت في دائرة التأزم بلا انقطاع، فغير معقول أن يوضع استقرار الكويت ومسيرة التنمية فيها بيد نائب بأجندة شخصية وبمصالح ذاتية وبمداخلات غير دستورية.. وأول شروط الدستور هو الالتزام بالقانون، وأين هذا الالتزام ـ الذي هو العمود الفقري ـ للاستقرار من تدخلات النواب إلى حد الذهاب إلى المخافر وحد التوسط لتجار المخدرات..؟
عندما نتحدث عن انعدام التوازن في الدستور لا نحكي عن عفاريت تخرج من سلة لتطيح بالمكاسب وإنما نتحدث عن الانفلات النيابي للتطاول على القانون وعلى الدستور الذي أثبتت التجارب أنه بحاجة إلى آليات توفر للحكومة أغلبية مثل ما يدور في العالم الديمقراطي سواء بواسطة الأحزاب أو التيارات أو التجمعات.
ثانياً: لابد أن تنهض منظمات المجتمع المدني ومنها منتدى الحوار الكويتي (محك) كما يطلق عليه، بمسؤولية حماية القانون وصون هيبته والتصدي لحكم الواسطات وممارسة المخالفات، وأن تكون أجندة العمل هي اجتثاث من المخالفات التي غرسها النواب في الشأن الكويتي السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
وأن يكون الولاء لحكم القانون الذي يضع الدستور ضوابطه، وأن تتواصل الندوات عن ضرورات الديمقراطية في تقبل الرأي الآخر، ومحاربة الاقصائية الحادة، وأن الحكمة لا تقبل الاحتكار والرأي الناضج ملك للجميع وسداد الرأي وصفة يبحث عنها المجتمع، مع رفض إعطاء العصمة لأي طرف ومعارضة نهج اتهام الآخرين الذين لهم اجتهادات صادرة عن مشاعر وطنية وحرص على الصالح العام.
وإحدى مشاكل الكويت هي سلبية الرأي العام وضعف دور منظمات المجتمع المدني وعزوفها عن تحمل مسؤولية التصدي للعابثين بالقانون، وشرح معاني المواطنة وحقوقها وواجباتها، مع التأكيد بأن حكم الدستور هو عقد سياسي واجتماعي بين الأسرة والشعب من أجل ترسيخ النظام.
ثالثاً: لا يمكن أن نؤيد الرأي الداعي لإقفال المناقشة حول الدستور وليس من صالح الثقافة السياسية الكويتية تجفيف مصادر الاجتهاد، وتعليب الفكر السياسي الكويتي وتسكيره، فالمسيرة البارزة في تاريخ الكويت هي حيويتها وخصوبة فكر أهلها، ولا يمكن في عصر الأفكار والاستنارة أن يكون نسيج الكويت بمعزل عن التطورات والتبدلات العالمية وليس من الحكمة أن نضفي على الدستور القدسية المهابة، وخير ما نعمله لصالح الكويت أن نستفيد من تجارب الشعوب التي تجاوزت الصراعات الداخلية عبر الفصل بين السلطات وبشكل حاسم لا يترك مجالاً لطبقة نيابية أو غير نيابية تستثنى من أحكام القانون..
في الكويت توجد طبقة تقوم بتهريب المخالفين من قبضة القانون والتحدي الحالي هو استرجاع هيبة الدولة وتطبيق قوانينها، وكشف الغطاء عن الفساد بما في ذلك المستفيدون من الهبات السياسية سواء من أراض أو هبات تمنح للترضية السياسية.
وبوضوح تام فإن الاستجوابات المتتالية التي سئم منها الناس هي إفرازات لذهنية المخالفات وهي نفور من تطبيق القانون، والوزير الشيخ أحمد عبدالله الأحمد دخل حلقة الاستجوابات لأنه أراد تطبيق القانون، ومثل غيره من الوزراء السابقين الذين خسرتهم الكويت كفاءة وعطاء، وإذا كان الاستجواب حق مكفول وفق الدستور، فالمفروض أن يكون ذلك وفق ضوابط بحيث يكون تقديم الاستجواب من ثمانية نواب على الأقل، ويحال إلى مكتب الرئاسة للوقوف على مضامين ومحتوى الاستجواب، من أجل التعرف على الدوافع شخصية أم موضوعية، قبل أن يتحول إلى قاعة المجلس.
شيء من التنظيم الإجرائي مطلوب وبشكل ملح، مع الاستفادة من سطوة الرئاسة ومقامها في نزع الفتيل، وفي هذا الصدد تقول صحيفة الرأي العام في عددها الصادر يوم الخميس الموافق 12 أبريل 2007، بأن عضو الحركة الدستورية ناصر الصانع كشف عن مبادرة من الحركة لتوطيد العلاقة بين أعضاء الحكومة ومجلس الأمة، من أجل تهدئة الأوضاع وإزالة التوتر، وذلك بجمع النائب المستجوب مع الوزير المستهدف بمقر أعضاء الحركة..
وهذه المنهجية الجديدة ستؤدي إلى تهدئة الأجواء، هذا التصريح يظهر فهما جديا لمسببات التوتر وهي الاستجوابات غير المنضبطة التي ولدت الفوضوية النيابية.وأخيراً سؤال، هل هناك نوايا حقيقية نحو تعديل الدستور؟، وهل يمكن حكم الكويت من دون دستور؟، وهل يتواجد المخزون الفكري المصيب من دون دستور؟..
الكويت من دون دستور حالة مستعصية، والكويت بدستور مستنير يحتكم إلى سيادة القانون، ويصون ضوابط السلوك الاجتماعي والسياسي، أمر لا مفر منه.
في لقاء سمو الأمير مع الوزارة الجديدة، وبعد الترحيب بالوزراء، أصدر الأمير التوجيه القوي بضرورة تطبيق القانون على الجميع ومن دون استثناءات، وهذا الأمر تفويض من ولي الأمر إلى الوزراء، والمطلوب تنفيذ هذا التوجه، وإذا ما نفذ الوزراء هذا الأمر ستدخل الحكومة مرحلة أخرى مسنودة من قبل الرأي العام في شدتها في احترام القواعد والقانون.ونقول في سلة الدستور الكثير من الزهور إذا ما هبت عزيمة الحزم والحسم.
كاتب كويتي
Abdullah_bishara@yahoo.com