لم يكن التورط الأميركي في فيتنام شبيها ببداية المستنقع العراقي، فقد بدأ التورط في فيتنام تدريجيا بعد الهزيمة الفرنسية الشهيرة في «بيان بيان فو».كانت الولايات المتحدة يومها في بداية طريقها الطويل للاستيلاء على التركة الاستعمارية الأوروبية بطريقة كانت تعتقد إنها اقل تكلفة وأكثر جدوى، غير أن فيتنام كانت في الواقع هدية مسمومة؛ فهي تقع مباشرة على خط التماس الآسيوي مع المعسكر الاشتراكي آنذاك، ولذا لم تكن هناك وسيلة أخرى متوقعة للتعامل مع هذه التركة سوى المواجهة المسلحة مع القوى الفيتنامية المدعومة من المعسكر الآخر والتي بفضل هذا الدعم استطاعت أن تنزل بالجيش الفرنسي هزيمة مذلة لم يمن بها على يد أي من مستعمراته.
أخذت الأرجل الأميركية تنزلق تدريجيا في الشرك الفيتنامي حيث وجدت إدارة الرئيس جون كنيدى نفسها أمام أمر واقع اضطرها إلى إرسال المزيد من القوات لدعم القوات الأميركية المتورطة هناك وهو قرار قد يتشابه قليلا مع قرارات الرئيس بوش الحالية لزيادة عدد القوات العاملة في العراق في إطار خطته الأمنية التي يريد منها أن تكون الطلقة الأخيرة لإنقاذ المشروع الأميركي في الشرق الأوسط إذا ما قيض لها النجاح.
ومع ذلك فإن هناك مساحة شاسعة من الاختلاف بين الحربين ليس فقط بالنظر إلى الفاصل الزمني الذي يتعدى أكثر من ربع قرن، بل في ما يتعلق بالدوافع والنتائج وبالظروف الدولية من ناحية ولطبيعة التفاعلات السياسية الداخلية من ناحية أخرى وذلك من عدة وجوه:
1-وجهت الولايات المتحدة إنذارا رسميا محددا بزمن معين ومقرونا بالتهديد بالحرب على لسان رئيسها المخول دستوريا بالإعلان عن إرادة الدولة، فكان ذلك من وجهة نظر القانون الدولي، إعلانا رسميا للحرب من قبل دولة على دولة أخرى وهو الأمر الذي لم يسبق له أن وقع منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بينما لم تعلن الولايات المتحدة الحرب على فيتنام الشمالية آنذاك رغم أنها مارست جميع أنواع الحرب البشعة ما عدا الغزو البري الذي لم يكن في صالحها ميدانيا وكان سيضعها مباشرة في مواجهة مع الصين.
كما نتج عن الغزو الأميركي للعراق وضعا قانونيا ثبتته بقرار أممي باعتبارها قوة محتلة ولم يكن يهمها منه سوى شرعنة ما تعتبره حقوقا لها ولم يكن أحد يستطيع حقيقة أن يتنبأ بأي توقيت لنهاية المهمة الأميركية في العراق الذي يراد له أن يكون قاعدة انطلاق لمشاريع غزو أخرى في المنطقة إذا ما ترسخت الأقدام الأميركية وصارت أمور الاحتلال على ما يرام بينما كانت الولايات المتحدة في فيتنام تدافع عن التركة الغربية التي ورثتها ضد ما كانت تعتبره المد الشيوعي الأحمر العالمي.
2-كانت ردود فعل المجتمع الأميركي على حرب فيتنام أكثر بطيئة عن ردود فعله على حرب العراق؛ فلم تنتج السنوات الأربع الأولى من الحرب الفيتنامية أثرا كبيرا على حركة الاحتجاج المعارضة للحرب كما انه لم يحصل هذا الانقسام المبكر داخل المؤسسات السياسية على غرار ما جرى منذ نهاية السنة الثانية لاحتلال العراق، فقد ظل الحزبان عبر مجلسي النواب والشيوخ يحافظان على شبه اتحاد في النظرة تجاه الحرب في فيتنام طوال العشرية الأولى من سنوات الحرب إلى أن اتسعت حركة الاحتجاجات والمظاهرات.
وركض أساتذة الجامعات عراة في الميادين العامة وتمرد وهرب المجندون من الخدمة العسكرية التي كانت ما تزال إجبارية آنذاك ولعل هذه القدرة على الاحتفاظ بتأييد غالبية الشعب الأميركي لتلك الحرب ولسنوات طويلة كانت راجعة إلى التقاطب الحاد بين طرفي النظام الدولي أثناء الحرب الباردة، مما أتاح لوسائل الدعاية الفرصة لبث روح الخوف من الخطر الشيوعي الأحمر الذي يدق أبواب الولايات المتحدة والعالم الحر.
ومحاكاة للأجواء ذاتها حاولت إدارة الرئيس بوش تبني أطروحات الحرب على الإرهاب وأسلحة الدمار الشامل مستغلة أحداث الحادي عشر من سبتمبر لمحاصرة الشعب الأميركي داخل أجواء الخوف والرعب لكي تظل غالبيته مؤيدة لسياسات الغزو والحروب الاستباقية تطبيقا لمقولة حماية أمننا القومي يقتضي منا أن نبادر بقتالهم هناك قبل أن يصلوا إلى شوارع مدننا وقرانا.
3-لقد شكلت ثورة الاتصالات في القرن الواحد والعشرين علامة فارقة بين تجربتي العراق وفيتنام الأميركيتين، فرغم التقدم التقني لم تكن الأحداث في ستينيات القرن الماضي طازجة وآنية ومباشرة مثلما أضحت عليه الآن، حيث القصف والحرائق والموت في الشوارع تتدفق مشاهدها تحت بصر المشاهد لحظة وقوعها.
ولم تعد وسائل الأعلام الأميركية تحتكر قنوات الأخبار والمعلومات وبالتالي أصبحت فظائع الحرب والخسائر الأميركية جزءا من الحياة اليومية للمجتمع بينما كانت أحداث ونتائج الحرب الفيتنامية بطيئة واحتاجت إلى وقت طويل نسبيا لتفعل فعلها في المجتمع الأميركي.
4- هناك فارق كبير في نسبة الخسائر الأميركية في العراق مقارنة بمثيلتها في فيتنام، فعدد قتلى الجيش الأميركي خلال السنوات الأربع في العراق يفوق ما افتقده في الأربع سنوات الأولى من حرب فيتنام، فلاشك أن ارتفاع وتيرة الخسائر اليومية في العراق هو العامل الحاسم والمؤثر في موقف المجتمع الأميركي من الحرب، فالغزو والاحتلال دون خسائر بهذا الحجم ما كان ليثير الاحتجاجات الرافضة لهذه الحرب، فشعوب الغرب عموما تعودت على رؤية جيوشها تغزو وتحتل الشعوب الأخرى دون ان يثير ذلك لديها أزمة ضمير على صعيد المبادئ ما لم يكن ذلك الاحتلال باهظ الثمن.
لاشك أن الهزيمة الأميركية في العراق إذا ما وقعت فلن تضاهيها الهزيمة في فيتنام، لأن في تلك المرحلة لم تكن الولايات المتحدة هي القوة الكونية الوحيدة كما هو عليه الحال الآن، بل كان هناك معسكر آخر تقوده قوة عظمى تقف في مواجهتها وتعاضد الفيتناميين عسكريا وسياسيا.
ولم يكن جيران فيتنام، الذين كانوا أعداء معلنين تابعين للمعسكر الآخر، هم جيران العراق التابعون في معظمهم للولايات المتحدة طوعا أو كرها، بعضهم يتعاون معها ضد المقاومة وقليلهم يمارس أقصى درجات الحياد ولكن قبل هذا وذاك فإن الهزيمة إذا ما قدر لها أن تقع، لن تغير فقط ثوابت وأحداثيات في المنطقة عمرها عدة قرون، بل ستقصر من عمر الهيمنة العالمية الأميركية.
كاتب ليبي