أن يقبل رئيس السلطة الفلسطينية عقد لقاء مع رئيس الحكومة الإسرائيلية ينفرد فيه الزعيم الإسرائيلي بتحديد جدول أعماله بما يتلاءم مع أجندته، فان هذا سلبي بما يكفي. لكن أن يتبرع المتحدثون باسم الرئيس الفلسطيني بتدبيج عبارات تجميلية عن هذا اللقاء، ليبدو وكأنه اجتماع مصيري فان كلمة «سلبي» وحدها لا تكفي. فهو بالأحرى تضليل.
ما قبل اللقاء وما بعده كانت رؤية الجانب الإسرائيلي واضحة وصريحة إلى أقصى درجات الصراحة: لا مناقشة للقضايا المصيرية، قضايا الوضع النهائي كحدود الدولة الفلسطينية المستقبلية وعودة اللاجئين ومصير القدس. فاللقاء من وجهة النظر الإسرائيلية يقتصر على قضايا ثانوية صنفت إسرائيلياً تحت عنوان «مسائل أمنية وإنسانية».
لهذا كان أبرز وأهم بند في جدول الأعمال هو جلعاد شاليت، الجندي الإسرائيلي الأسير لدى جهة فلسطينية غير معلومة منذ يونيو الماضي.ولكن ابتداءً.. لماذا يقبل الرئيس الفلسطيني بانفراد الجانب الإسرائيلي وحده بتحديد بنود جدول أعمال الاجتماع وكأنه ليس اجتماعاً بين طرفين متكافئين وإنما هو لقاء يفرض فيه أحدهما إرادته على الآخر.
ربما نطالب محمود أبو مازن بما لا طاقة له به إذا قلنا إنه ينبغي أن يفرض الإرادة التفاوضية الفلسطينية على الإرادة الإسرائيلية، ولكن أليس بإمكان أبو مازن في هذه الحالة أن يرفض المشاركة في لقاء لا جدوى منه يدخل في باب فن «العلاقات العامة» فقط؟
إسرائيل كما هو معلوم لها ثوابت تتمثل في «لاءات»: لا لحدود 1967، لا عودة للاجئين الفلسطينيين، لا تفريط في القدس كعاصمة موحدة وأبدية للدولة الإسرائيلية، لكنها في الوقت نفسه تريد أن تظهر للعالم وكأنها دولة لا ترفض التفاوض السلمي مع الفلسطينيين، من هنا تكون فكرة «لقاءات» العلاقات العامة لخلق انطباع زائف لدى العالم. بالتالي فان هذه اللقاءات لابد أن تكون محكومة بجدول أعمال مصمم وفقاً للرؤية الإسرائيلية.
من أجل إنجاح هذه الفكرة فإن الجانب الإسرائيلي يراهن على تجاوب مع الجانب الفلسطيني. إذن فإن السؤال الذي يطرح هو: لماذا يتجاوب الجانب الفلسطيني ويتعاون من أجل تجميل الوجه الإسرائيلي؟ وهل من المعقول أن رئيس السلطة الفلسطينية لا يعرف طبيعة هذه اللعبة؟
عقب لقاء أبو مازن مع أولمرت يوم الأحد أعلن كبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات أن الجانبين بحثا «الأفق السياسي» لعملية السلام.
«الأفق السياسي»؟، هذه عبارة موغلة في الغموض.. وبالتالي فهي تضليلية، ولن يدرك السامع الطبيعة التضليلية لهذه العبارة إلا إذا رجع إلى تصريحات الجانب الإسرائيلي عن الاجتماع. فقد قال مسؤول إسرائيلي إن الزعيمين «لم يبحثا في المسائل الشائكة المتعلقة بالوضع النهائي كحدود الدولة الفلسطينية المستقبلية وعودة اللاجئين»، وحتى في المسائل الثانوية لم يجد أبو مازن أي تجاوب مع أولمرت، فبينما طالب رئيس الحكومة الإسرائيلي بإطلاق سراح الجندي شاليت فانه رفض ربط الأمر بعملية تبادل الأسرى، ورفض تحويل أموال عائدات الضرائب الفلسطينية التي تحتجزها السلطات الإسرائيلية، ورفض استئناف العمل في ميناء غزة ومطارها.
بإيجاز كانت حصيلة أبو مازن من اللقاء ليست صفراً، وإنما تحت الصفر.