منذ ان حقق الديمقراطيون نصرهم الانتخابي بالسيطرة على المجلسين، الشيوخ والنواب، في التجديد النصفي وهم لا يتوقفون عن ملاحقة كل أخطاء وممارسات الحزب الجمهوري والتي يقودها الرئيس جورج بوش بصورة يشوبها الكثير من التخبط والمواقف المتقلبة والصراعات الداخلية والإقالات والاستقالات، وتراجع شعبية الرئيس والحزب وسط الجمهور الأميركي وفق الإحصائيات المستمرة خلال السنوات الثلاث الأخيرة من دورته الثانية في الحكم.

بل ووجدنا أن معركة الديمقراطيين بدأت قبل نتائج الانتخابات بوقت مبكر وحصدت نتائجها في السيطرة على المجلسين، ولكنهم يزيدون من وتيرة حيويتهم كلما تقاربت لحظات الحسم، فقد استثمر الديمقراطيون كل أخطاء إدارة البيت الأبيض وسياسة الرئيس بوش، فكانت الأوضاع الاقتصادية والبطالة والظروف البيئية والفيضانات وغيرها من السياسات الداخلية والخارجية، وعلى وجه الخصوص مسألة الحرب والتورط في تلك اللعبة داخل العراق وأفغانستان، وليس تحرك بيلوسي الخارجي إلا تعبير عن البرنامج الانتخابي للرئاسة ولسياسة الحزب القادمة لسياساته الخارجية.

وزاد من عدم احترام المجتمع الدولي للإدارة الأميركية أن تلك الدولة العظمى والمحافظين الجدد يكيلون للعالم بمكيالين، كما هو في الصراع العربي ـ الإسرائيلي. لهذا كان الديمقراطيون يحسبون النقاط السلبية لسياسة بوش فكان الهدف الأول للديمقراطيين هو الاستيلاء على أهم عربة في قطار الرئيس وهما المجلسين، فهناك بالإمكان لجمه دستورياً وتمهيد المقدمات لاستلام السلطة وقد استثمر الديمقراطيون تقرير بيكر هاملتون حول العراق اللذين صاغا تقريرهما بكل حيادية.

وكانت اللجنة مشكلة من الحزبين الجمهوري والديمقراطي مما يؤكد أن هناك تياراً داخل الجمهوريين بدأ يتململ من سياسة الاستفراد بالإدارة لتلك الحلقة الضيقة من المحافظين الجدد، وانعكس ذلك برحيل رامسفيلد وتينت وهما أبرز الصقور في القوة العسكرية والأمنية.

ومن ثقب الجدار المتهالك، كما يقولون، قام الديمقراطيون بتوسيع الهوة فترجموا التقرير بتأكيدهم أن المواقف الرافضة للحوار من خلال نهج العزلة والمقاطعة بين الولايات المتحدة مع كل من إيران وسوريا في قضايا الشرق الأوسط، وبغياب الدبلوماسية والمرونة مع كوبا وفنزويلا والكثير من حكومات اليسار في أميركا اللاتينية، تفقد الولايات المتحدة مكانتها ودورها كبلد يتوق فعلاً لنشر الديمقراطية في العالم والدفاع عن حقوق الإنسان والعبور من بوابة تلك الدول بسياسات لا تكون القوة العسكرية سلاحها الأساسي.

ونتيجة لتلك السياسات الخاطئة في لعبة مكلفة اقتصادياً وبشرياً كالحروب، تراكمت الأخطاء لتؤدي لنتيجة واحدة لا غير هو خسارة الحزب في الانتخابات وتصبح الخطوة الثانية من البرنامج هو غلق كل المنافذ الممكنة سياسياً ودستورياً أمام الرئيس لكي لا يورط الولايات المتحدة بحرب أطلقت عليها بيلوسي قائلة إن الحرب في العراق حرب بلا نهاية يرفضها الشعب الأميركي، وان الرئيس بوش لن يحصل على شيك مفتوح.

بذلك التصريح والموقف الواضح من الحرب لم يجد الرئيس إلا بالتلويح بالفيتو، داعياً الديمقراطيين للقائه في البيت الأبيض، متملصاً من المواجهة المكشوفة في الكونغرس مما يعرض حزبه للخسارة سياسياً لمقعد الرئاسة بقدر ما خسر في الانتخابات النيابية. وإذا ما تراجع ونجح الديمقراطيين في ضغطهم، يؤكدون مرة أخرى للناخبين أنهم الأجدر بحكم البلاد من حزب أخفق في إدارته.

وقد انعكست تلك الجماهيرية في مؤشرات أولية، كما هي حملة تحصيل التبرعات المالية للانتخابات من الجمهور والمؤيدين، ففي الوقت الذي جمع فيه الجمهوريون أقل من ستة ملايين دولار جمع الديمقراطيون أكثر من خمسين مليون دولار. هذا الرقم وذلك الفارق لم يحدث قط في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية، فهناك انكماش جماهيري وامتعاض واضح من سياسة الحزب الخارجية والداخلية.

وخشية من محاسبات ومساءلات نيابية حول شرعية شركة هاليبرتون الأميركية في العراق والتي يمتلك نائب الرئيس ديك تشيني حصة الأسد فيها يعلن عن انسحابها من العراق، مما يجعلنا نستشعر بأن لجان تحقيق كثيرة قادمة في الكونغرس بهدف تعرية ممارسة الإدارة الأميركية وكشف فضائحها المالية وفسادها أمام الشعب الأميركي لكي يزيد الديمقراطيون من حجم الغضب والسخط ويرفعوا من رصيد دائرة المؤيدين والمستعدين للتصويت لهم في سبتمبر من سنة 2008.

وتكملة للبرنامج المنظور للحزب الديمقراطي الذي يحاول قراءة تقرير بيكر بصورة صحيحة ويستعد بعد اكتساح انتخابات الرئاسة أن يمارس سياسة جديدة داخلية وخارجية نراه يتحرك بحيوية ونشاط داخلياً وخارجياً ليسابق الوقت بالإسراع بتلك اللكمات السريعة المتتالية دون منح الخصم فرصة الوقوف على قدميه وبوضع الحزب الجمهوري والرئيس في الزاوية الضيقة من الحلبة.

لن تنفع الانتقادات والتضخيم الفج لتحركات بيلوسي للشرق الأوسط، كما لن تنفع تلك التعليقات المبتذلة حول ارتدائها للحجاب، فهم يعرفون جيداً كيف بيلوسي تحترم القيم وأين تمارس حقها كامرأة متحضرة كأول أميركية تترأس الكونغرس.

نحن بانتظار الأيام والشهور الساخنة ولن ينفع الرئيس قراراته الأخيرة بتدوير المناصب وتغييرها بينما في الجوهر حافظ على وجوه مقربة من حلقته، فأصبح نيغروبونتي نائباَ لوزيرة الخارجية، فربما تصطدم رايس مع سياسات الرئيس المتشددة، مما يسهل عزلها ويقفز نائبها للمنصب وسينتقل سفير العراق إلى الأمم المتحدة ليخلف جون بولتون الذي ساهم الحزب الديمقراطي في عزله بسبب غطرسته وسلوكه في أروقة الأمم المتحدة وكأنه الأمين العام وسيحل مكانه خليل زاده الذي يتمتع بعلاقات جيدة مع الديمقراطيين ولكنه يحتاج إلى موافقة مجلس الشيوخ لذلك التعيين.

وكان على الرئيس نقل سفيره راين كروكر من باكستان كمنطقة ساخنة إلى العراق كبؤرة أسخن، فلدى السفير خبرة تجاه ثلاثة أمور الجماعات الإرهابية والحرب والاستخبارات إلى جانب دوره السياسي في لعبة لن يستطيع الخروج من وحلها بسهولة.

وقد شاهدنا تغييرات وتعيينات عسكرية استعداداً لاستراتيجية جديدة تزيد من اشتعال الحريق في المنطقة ولن تكون عملية المواجهات في الكونغرس إلا عملية انتحارية على المستوى السياسي مع الحزب الديمقراطي والشعب الأميركي وانتحاراً عسكرياً في جحيم العراق إذا ما ركب الرئيس رأسه ومارس الفيتو، ففي كلا الجانبين المواصلة في التوحل أو التراجع يكسب الديمقراطيون أرضية جيدة لمرشحهم الرئاسي بينما سيجد مرشح الجمهوريين نفسه في وضع لا يحسد عليه.

كاتب بحريني