تكتشف كل يوم أن الحياة ضجيج لا ينتهي من المعارك والأفعال والتوق المستمر، الحرائق كالمعارك تبدأ ضخمة ومخيفة ثم تنتهي إما إلى لاشيء وإما إلى خسائر.. ومن يورط نفسه في معارك صغيرة يكون كمن يخسر من وقته وجهده لمتابعة وتحليل الحرائق التي قد تحدث في أية لحظة دونما سبب أو بسبب أطفال يعبثون بلا وعي بأعواد الثقاب..

وهنا فالكاتب وصاحب الوعي والرأي مطالب بأن لا يستمتع كثيرا بلعب دور «الدون كيشوت»، لأنه لن يفعل شيئا سوى مصارعة طواحين الهواء، معتقدا أنه يحقق مثالية الوجود، لا أحد في الحقيقة مسؤول عن تحقيق هذا الهدف.. ولا أحد سيحاسب أحداً إذا لم يتحقق، وعليه فالأولى مغادرة أرض الطواحين إلى أرض الفعل والانجاز الحقيقي، أرض الفعل المؤثر والفاعل والقادر على صنع تراكمه عبر الزمن والتاريخ.

ذات يوم وقف الشاعر العربي أدونيس في مسرح المدينة ببيروت وألقى كلمته الشهيرة يومها بعنوان «بيروت: أهي حقا مدينة أم إنها مجرد اسم تاريخي» كان ذلك بتاريخ 31/10/2003، لقد أثارت الكلمة الكثير من الجدل والغضب، توالت الردود والتهم، وانشغل الناس: مثقفون صغار وكبار، للرد على كلمة أدونيس، إحقاقا للحق، ودفاعاً عن بيروت.

أما بعضهم فقد انبرى هائجا لا لشيء إلا لتصفية حسابات شخصية قديمة مع الشاعر، أما الشاعر فقد مضى غير آبه، مضى دون أن يرد بكلمة، فقط لتحقق العدالة وحرية الرأي وإنسانية الكلمة المضادة، وحتى يقتنع كل على مهله وبطريقته، دون أن يعني ذلك أن أدونيس كان محقاً أو صائباً فيما قال حين استباح بيروت الجميلة.

الفرق بين إنسان وآخر، بين كاتب مضى وآخر سيمضي يكمن في المقدرة على التأثير، من هو الأكثر قدرة على تغيير أفكار الآخر؟ ومن نجح في أن يسحب الطرف الآخر إلى منطقته بمنطق الإقناع وقوة الكلمة، الفرق ليس في علو الصوت وزعيق الحنجرة، الفرق في علو الهمة والكد والجلد ومحنة العلم والحكمة!.

كثيرون يزعقون كتابة في عالمنا، في صحفنا، أسماء تهل وأخرى يطويها الزمن، أسماء تبرق فجأة وبلا مقدمات، وأخرى تنطفئ فجأة وبلا مقدمات، ولا شيء يذكر، ولا أثر لدخان الانطفاء، كثيرون يعلقون على ما يكتب بطريقة لا تخلو من التبسيط والسذاجة أحياناً وأحياناً الفجاجة، وكثيرون يعاتبون أو يغضبون ويبحثون عن الرد.. أقول إن الرد يفسد عبقرية التعليق!

أعجبني رد ادونيس على أحد منتقديه حين قام ذلك المنتقد يهاجمه، فما كان من ادونيس إلا أن قال له «إنني أتخلى عن كل أفكاري التي قلتها الآن إذا ما أنت أقنعتني بما عندك، أما أنا فمن الواضح أنني لم أنجح في إقناعك بشيء من أفكاري، أنا مجرد شاعر أقول ما عندي للناس، وأستمع إلى ما عندهم، علني أستطيع تغيير سذاجة أفكاري.

sultan@dmi.gov.ae