بعد أسابيع قليلة من الإعلان «شفهيا» عن تأسيس ما يسمى «قاعدة الجهاد في بلاد المغرب العربي» جاءت التفجيرات التي هزت الدار البيضاء والجزائر لترسخ «عمليا» تواجد هذا التنظيم، الذي يعد في حد ذاته ثاني خطوة من خطوات المسار الجديد للقاعدة «الأم» بعد تأسيس ما يسمى بـ «قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين» الذي يشارك في أعمال المقاومة ضد الاحتلال الأميركي للعراق.
وهذا المسار فرضته الظروف القاسية التي يمر بها التنظيم الرئيسي بعد إزاحة حركة طالبان الأفغانية عن السلطة، وتشتيت عناصره في ربوع الأرض، وانقطاع الاتصال المادي المباشر بين قيادة التنظيم في أفغانستان وبين خلاياه النشطة في مختلف بلدان العالم.
ويقوم هذا المسار على احتضان التنظيم الرئيسي لبعض الجماعات الراديكالية التي تمارس العنف وترفع من الإسلام شعارا سياسيا لها، ثم إعلانها فرعا للقاعدة في بلادها، الأمر الذي يضخ دماء جديدة في أوصال التنظيم الأم الذي ظن الأميركيون ومناصروهم أنهم قد استأصلوه تماما. ومثل هذا التصرف يعيد «القاعدة» إلى واجهة الأحداث، حتى ولو بعمليات إرهابية يسقط فيها أبرياء ولا تطال الأميركيين مباشرة.
فالجماعة السلفية للدعوة والقتال، التي أعلنت أنها فرع للقاعدة في بلاد المغرب، هي تنظيم قوي نسبيا، استطاع أن يبني نفسه بعيدا عن أجهزة الأمن، معتصما بالجبال المغاربية الوعرة، وبوجود ظروف وسياقات عديدة تشجع على العنف الاجتماعي والسياسي في الجزائر.
ومن هنا بات من المفيد لقيادة القاعدة، المتمثلة في أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، أن تحتضن هذه الجماعة التي رفضت إلقاء السلاح، والانضواء تحت راية «المصالحة الوطنية» التي رفعها الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، فقوتها ستنسب في خاتمة المطاف إلى قوة القاعدة، وستظهر أمام العالم أجمع أن القاعدة تنظيم يستعصي على الاستئصال.
ومنذ المنشأ، فقد أدت المحنة التي تعرض لها «الأفغان العرب»، عقب اندلاع الحرب الأهلية بين فصائل «المجاهدين الأفغان» إلى أن يبذل الراديكاليون الإسلاميون المغاربة، شأنهم في هذا شأن تنظيمات الجهاد في بلدان عربية وإسلامية شتى، أقصى جهد ممكن في سبيل توفير حياة آمنة، بعد أن أيقنوا أن عودتهم إلى بلادهم معناها السجن المحقق، بل الإعدام. وكانت ثمرة هذا الجهد تكوين نواة لشبكة عالمية، تم الاستفادة بها فيما بعد حين أعلن في منتصف فبراير عام 1998 عن قيام ما تسمى بـ «الجبهة الإسلامية العالمية لجهاد اليهود والصليبيين» ـ المعروفة إعلاميا باسم «تنظيم القاعدة».
لكن ضرب طالبان التي احتضنت تنظيم القاعدة ووفرت له الحماية والإمكانات اللوجستية، جعل بعض الأفراد المنتمين إليه يعودون إلى بلادهم، ناقلين إليها الخبرات التي تعلموها على أرض أفغانستان، حيث تمكن هؤلاء خلال فترة تواجدهم على الأراضي الأفغانية، إبان فترة الجهاد ضد الاتحاد السوفييتي المنهار، من اكتساب مهارات جديدة، أتاحتها «عولمة الاتصالات والمعلومات»، فتمكنوا من صناعة إعلام مضاد لإعلام الدولة من خلال شبكة «الإنترنت» والفاكس والفيديو والكاسيت، واستخدموا التقنيات الحديثة في حشد وتعبئة الكوادر التنظيمية، وامتلاك قدرات متطورة نسبيا على تنفيذ عمليات العنف المسلح ضد رموز السلطة ورجال الأمن وكبار الكتاب، واستفاد بعضهم من بنية الحداثة القانونية في الدول الغربية، والتي مكنتهم من الحصول على اللجوء السياسي والإقامة فيها، وشكل هؤلاء قاعدة خلفية للمتطرفين الإسلاميين في بلاد المغرب العربي.
هذه الخبرات مكنت التنظيمات الإرهابية من أن تعبر الحدود بسهولة، وتكون شبكات قادرة على تنفيذ عمليات مدروسة في أكثر من بلد في آن واحد. وهذا تماما ما حدث في الدار البيضاء والجزائر، الفارق الوحيد أن الأمن في الأولى كان يقظا فانتبه إلى «الانتحاريين» قبل أن يصلوا إلى أهدافهم المبتغاة، فاضطروا إلى التفجير العشوائي لأنفسهم، مما أنقذ هذه الأهداف من التدمير وقلل الخسائر البشرية والمادية. أما في الثانية فقد تمكن الإرهابيون من الوصول إلى أهدافهم المنتقاة بعناية فائقة، وفي مقدمتها مبنى الحكومة الجزائرية، ليوقعوا عشرات القتلى والجرحى، ويعيدوا البلاد في لحظة سريعة إلى سابق عهدها من العنف الدموي الممقوت، الذي أودى خلال تسعينات القرن المنصرم بحياة ما يربو على مائة ألف شخص.
وتمتد شبكة القاعدة، التي تشكل «الجماعة السلفية للدعوة والقتال» جسمها الرئيسي، في بلاد المغرب العربي، عابرة الحدود من الجزائر إلى المغرب وليبيا، ولديها قدرة على أن تقوم بعمليات نوعية في تونس، مثل التفجيرات التي استهدفت المعبد اليهودي بجربة عام 2002.
وتطال هذه الشبكة موريتانيا، التي شهدت عمليات نوعية ضد القوات المسلحة خلال العام الماضي، ثم مالي والنيجر. بل إن القاعدة تمكنت من تجنيد عناصر في غرب أفريقيا، خاصة في نيجيريا، التي خرجت منها مظاهرات عارمة تندد بضرب طالبان، وتنادي بالانتقام من الأميركان. وهناك احتمال أن تمثل هذه الشبكة قاعدة خلفية للعناصر التي تعتزم القيام بعمليات عنف في جنوب أوروبا، خاصة في أسبانيا وبريطانيا وإيطاليا.
وهذه الشبكة قد تدخل في صراع سافر ضد المصالح الأميركية المتنامية بالقارة السمراء، لاسيما مع اتجاه واشنطن إلى إقامة قاعدة عسكرية لها في أفريقيا، في ظل اهتمامها بهذه القارة، بعد أن أظهرت المسوح الجيولوجية أنها تحوي احتياطيات هائلة من النفط، خاصة حول خليج غينيا، وكذلك مع احتمالات تدخل الولايات المتحدة في بعض البؤر الأفريقية الساخنة، مثل دارفور، التي سبق أن هدد القاعدة بأنه سيحولها إلى مقبرة للأميركيين وحلفائهم إن أنزلوا قواتهم بها.
وحال نجاح هذه الشبكة في القيام بعمليات موجعة للأنظمة الحاكمة من ناحية، وللأميركيين وحلفائهم من ناحية ثانية، فإن هذا قد يشجع التنظيم الرئيسي على البحث عن جماعات متطرفة محلية في بلدان عربية وإسلامية أخرى لتنضوي تحت لوائه بشكل غير مباشر، وتقوم بعمليات نوعية تصب في خاتمة المطاف في إطار الاستراتيجية العامة لتنظيم القاعدة، التي باتت تزاوج بين قتال العدو القريب وهو في نظرها «الأنظمة الحاكمة في البلدان العربية والإسلامية» والعدو البعيد وهي الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفاؤهما في الغرب.
د. عمار علي حسن
مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط ـ القاهرة