في استطلاع أجرته مؤسسة بحث غربية في روسيا قرب نهاية العام المنصرم كانت النتيجة أن ثلثي الشعب الروسي يحبذون عودة النظام السوفييتي وبقاء الرئيس فلاديمير بوتين. ورغم أن بوتين ليس ماركسياً إلا أنه يستلهم الماضي السوفييتي في توجهاته وسياساته الاستقلالية داخلياً وخارجياً.

في ضوء هذه الحقيقة ندرك مغزى التحرك الذي يقوم به معارضو الرئيس بوتين وعلاقة هذا التحرك بنشاط الملياردير الروسي اليهودي بوريس بيريزوفسكي المقيم في لندن كلاجئ سياسي.

في مرحلة ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي دخل الشعب الروسي عهداً في البؤس لم يعرف له مثيلاً طوال 70 عاماً هي عمر النظام السوفييتي. كان ذلك عهد الرئيس بوريس يلتسين الموالي للغرب. ويصف الكاتب الصحفي الأميركي وليام فاف ذلك العهد بأنه الأشد ظلاماً في التاريخ الروسي الحديث.

لقد أشرف يلتسين على رسم وتنفيذ برنامج عملاق لتفكيك البنى الأساسية للنظام الاشتراكي السوفييتي. فمن خلال هذا البرنامج جرى تنفيذ مسلسل من الخصخصة شمل قطاعات الصناعة والزراعة والخدمات الأساسية.. وكانت النتيجة انتشار البطالة والفقر مع بروز شريحة جديدة من مليارديرات هم أكبر المستفيدين من برامج الخصخصة.

في منفاه في لندن يدعو الملياردير اليهودي بيريزوفسكي إلى الإطاحة بنظام بوتين مخاطبا بذلك منظمات معارضة ظهرت مؤخراً في الساحة الروسية تعتمد في تمويلها على الحركة اليهودية العالمية.

لكن مما لا شك فيه ان هذه المنظمات تسبح ضد التيار. فقد أعاد بوتين للشعب الروسي كرامته حيث تبنى سياسة لإعادة تأميم قطاعات الاقتصاد الوطني لتخضع المؤسسات الإنتاجية والخدمية الرئيسية لسلطان الدولة مرة أخرى. ومع اتخاذ سياسة خارجية استقلالية فإن بوتين وضع روسيا على سكة جديدة كقوة دولية ذات هيبة.

وفي هذا السياق يقول ان الشعب الروسي مرتاح إلى أداء ادارة بوتين. ولذا فإنه يساند إدارته في مواصلة بناء «روسيا جديدة».

ومن المثير ان صعود روسيا يتزامن على خط مواز مع تهابط الهيبة الدولية للولايات المتحدة بسبب الفشل في العراق وأفغانستان. وهذا ظرف استطاع بوتين أن يستغله بذكاء دبلوماسي.

وفي مواصلة سعيها للعودة إلى الساحة الدولية بقوة أصبحت روسيا بوتين الآن تشكل تحدياً متنامياً للولايات المتحدة في بؤر الشرق الأوسط. فهي تتخذ موقف معارضة داخل «اللجنة الرباعية الدولية» وتدعم البرنامج النووي الإيراني. ثم انها أصبحت مصدرا لتمرير إمدادات سلاح إلى «حزب الله» اللبناني عن طريق سوريا.

لقد قال رئيس أركان الجيش الروسي مؤخراً إن الجهود الأميركية للانفراد بالساحة الدولية أصبحت الان مهددة. وقال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف مؤخراً ان روسيا عادت إلى العالم كقوة متينة واثقة بنفسها مما يعتبر عاملاً مهما على طريق «استعادة التوازن في الشؤون الدولية».

هذه كلمات مفعمة بمعانٍ على خبراء الاستراتيجية الأميركية التوقف عندها لتفحص مغزاها.