التعثر أو بالأحرى الانسداد في العملية السياسية العراقية، ما كان له أن يستمر على حاله؛ في ظل التفجير الأمني المتصاعد. أمس دخل، هو الآخر، طور الانفجار، باستقالة عدد من وزراء حكومة المالكي، تطور كانت الأوضاع محكومة بالوصول إليه؛ بصرف النظر عن أسبابه المباشرة والآنية. التعايش مع المراوحة وانعدام الحلحلة على صعيد المصالحة لتحقيق المشروع السياسي الوطني العريض أدى إلى تراكمات يتعذر إن لم يكن يستحيل ضبط احتقاناتها والسيطرة عليها.
الوضع العراقي المعقد والملتهب لا يحتمل استمرار النوم على غياب التوافق، مشاكله كثيرة ومتشابكة وقضاياه الخلافية عميقة وهي مرشحة دائماً للتفاقم وبالتالي للتفجر بصورة أو بأخرى، الأرضية جاهزة والصواعق متوفرة بغزارة.
آخر المواقع كانت البصرة. بعد طول هدوء نسبي دخلت المدينة أو هي تتأهب للدخول، في دوامة العنف والانفلات فجأة ارتفعت أصوات التحذير من وقوع «الانفجار» فيها، أجواء التوتر المتزايد انتقلت إليها مع الحديث عن حركات «تمرد»؛ كما عن موجة تظاهرات، وسط تزايد الشائعات حول عمليات «تصفية» لمسؤولين، يجري الإعداد لها، ويأتي ذلك في امتداد ارتفاع وتيرة الفلتان الأمني والمواجهات الدامية في الآونة الأخيرة.
وزاد من الخشية ما تردد وتم إعلانه، حول ما سمي بـ «الحكومة المؤقتة لإقليم الجنوب». ومع أن أصحاب هذا الإعلان حرصوا على «التأكيد على وحدة وسلامة العراق أرضاً وشعباً؛ إلا أن هكذا كلاماً وتسميات ومبادرات تصب في تأجيج الهواجس السائدة في الساحة العراقية؛ والتي كان قد أثارها طرح الصيغة الفيدرالية وما صاحبه من جدل وعلامات استفهام وكان يمكن ألا تترك مثل هذه المعطيات ما يثير القلق، لو أنها حصلت أو طرحت في ظل أوضاع أقل اشتعالاً، لكن تواليها بالتزامن مع تصاعد العمليات التفجيرية، كماً ونوعاً، من شأنه أن يزيد البلبلة ويرفع من درجة التأزيم؛ وبالتالي من الإمعان في إرباك البوصلة.
خاصة وأن ما سمي بالخطة الأمنية وما رافقها من زيادة لعدد القوات الأميركية لتأمين نجاحها، قد مضى عليها شهران؛ من دون إحراز أي تقدم ملموس على الأرض، الأمر الذي أعطى المزيد من الذخيرة للجدل الدائر في واشنطن وحول مدى جدارة وصواب الاعتماد على مثل هذا الخيار.
إدارة الرئيس بوش تواصل مراهنتها على هذا التوجه، وخصومها ينعون الخطة سلفاً، والعسكريون تتأرجح تقويماتهم بين التلميح بتعذر القدرة وبين المطالبة بفترة أشهر قبل الحكم على العملية، وكان من الملاحظ أن بعض رموز أو صقور المحافظين الجدد ـ مثل ريتشارد بيرل ـ قد ارتدوا على الرئيس وقاموا بتحميله مسؤولية الورطة العراقية.
ثمة ما هو مشترك أو على الأقل راجح ومتقاطع في معظم الردود؛ ويتمثل في ضعف إن لم يكن انعدام المراهنة على الحل الأمني؛ الأمر الذي يأتي ليشدد من جديد على أن المدخل السياسي لا بديل عنه. وإلا فالدوامة مستمرة: تفجير أمني يجر إلى تفجير سياسي والعكس بالعكس.