مع نهاية العام الرابع من احتلال العراق، تتواصل التفاعلات الأميركية الداخلية، في الشارع وسط الرأي العام الأميركي وداخل مجلسي الشيوخ والنواب على حد سواء، وتتواصل معها عملية الشد والاسترخاء والمتعلقة بجدولة الانسحاب من العراق، حيث بات ملف العراق عبئاً ثقيلاً، يقض مضاجع الرئيس جورج بوش الابن، وإدارته الصقرية، ويضيف فشلاً كبيراً في سياساتها الدولية على امتداد المعمورة، ويتوعد الحاضر والمستقبل السياسي لمنظري الحرب.
فإلى جانب الخسائر اليومية التي لا تتوقف بصفوف قوات المارينز الأميركية، يمكن القول إن استجابة إدارة الرئيس بوش لتقرير «بيكر ـ هاملتون» الشهير الذي أدان سياسة بوش في العراق مازالت في مراحلها الأولى، بينما تستمر الورطة الأميركية الكبيرة في مستنقع الأوحال.
في الوقت الذي ترتفع فيه أصوات الجمهور الأميركي الذي بات يطالب كل يوم بإنهاء الوجود الأميركي والانسحاب من العراق، مترافقاً مع صوت الشارع البريطاني في التحركات الشعبية والمظاهرات المشهودة، وهي التحركات التي دفعت حليف واشنطن رئيس الوزراء البريطاني طوني بلير لإعلانه عن البدء قريباً بالسحب التدريجي للقوات البريطانية من البصرة وجنوب العراق.
إن توجهات مجلس الشيوخ الأميركي وقوى الرأي العام الفاعلة في الولايات المتحدة، بشأن جدولة انسحاب القوات الأميركية من العراق، يعتبر بداية تطبيق إحدى التوصيات الـ (75) التي خلص إليها جيمس بيكر ولي هاملتون في إطار مجموعة الدراسات للعراق، عندما حضا الإدارة الأميركية على محاورة مشروطة لكل من سوريا وإيران، سعياً إلى تحقيق الاستقرار في العراق، الأمر الذي تجاهلته إدارة الرئيس جورج بوش حتى هذا الوقت. ورغم تأكيد الادارة الأميركية أنها لم توافق على كل توصيات تقرير (بيكر ـ هاملتون) فقد وجدت في بعضها إيجابيات وأبرزها العودة إلى قلب المشكلة والتفتيش عن حلول سياسية.
إن فضيحة كارثة العراق في عهد الرئيس جورج بوش، تعتبر هزيمة مدوية للسياسة الأميركية التي انفلتت من كل المعايير والضوابط، وبات معها منظرو الحرب في واد بعيد يعيشون خريف عمرهم السياسي، وفي أحسن الحالات يحاولون الفرار من عيون الفشل كما فعل وزير الحرب السابق وأحد منظري الحرب الوزير الصقري دونالد رامسفيلد، فعلائم الفشل ترتسم كل يوم مع سيل التوابيت الطائرة من العراق باتجاه الولايات المتحدة، الأمر الذي يعيد إنعاش ذاكرة الأميركيين بكارثة الحرب الفيتنامية إبان عهدي الرئيسين ليندون جونسون، وريتشارد نيكسون.
إن قطاعات متزايدة من رجالات السياسة ومراكز الدراسات والأبحاث الأميركية باتت على قناعة شبه كاملة بأن استخدام القوة لن يساعد في إيجاد الحلول للوضع المنفلت في العراق دون رؤية سياسية متكاملة للحل. فالحل سياسي، وينبغي أن ينبع من العراقيين أنفسهم، ثم يأتي دور دول الجوار والمجتمع الدولي لدعم الحل وتحصينه.
فقد ثبت للرأي العام الأميركي قبل غيره، أن شعب العراق ليس مطواعاً لإرادة المحتل في نهاية المطاف، وأن حلم راود ومنظري الحرب بشأن غنائم ما بعد الاحتلال واقتسام ثروات العراق بدأ بالتلاشي على أرض الواقع، فقد كان الاعتقاد السائد قبل احتلاله بأن «العراق سيعوض خسائر الحرب في أفغانستان» التي لم يحصد منها الأميركان من غنائم سوى الغبار والغوص في أوحال مجتمع فقير وبلاد مترامية الأطراف، منكوبة ومحدودة الموارد.
أما العراق بثرواته الكامنة فقد أسال لعاب ديناصورات البيت الأبيض، باعتباره «بالوعة النفط» التي تندلق أمامها شهية مؤسسات الكارتل النفطي التي يشارك بها الرئيس بوش ذاته، فضلاً عن ديك تشيني وكوندوليزا رايس وباقي المجموعة القابضة على سلط القرار التي تعتقد بأن من «سيدير العراق» أو يمسك بمقاليد الحكم سيدير في الوقت ذاته نفط العراق وعملية تسويقه وعلاقاته التجارية، وسيكون بإمكانه عندئذ أن يقرر بقدر كبير كيف ستبدو حال منظمة الأوبك وسياساتها السعرية.
وعليه، فإن فالدول المؤثرة في الخارطة العالمية (روسيا، الصين، فرنسا، ألمانيا..) لها مصالح كبرى في الخليج والعراق والشرق الأوسط، وتجربة كل منهما المرّة مع واشنطن بريطانيا، تدفع بالدول إياها نحو خطوات عملية ملموسة لحماية مصالحها، وهذا لن يكون إلاّ بإعادة صياغة العلاقات الدولية على قاعدة جديدة في إطار مجلس الأمن الدولي.
وليس الصفقات الثنائية والثلاثية كما حصل بعد تفكك الاتحاد السوفييتي ودوران سياسة موسكو بين 1991 - 1996في فلك السياسة الأميركية، وهو ما يشكل أيضاً فرصة ثمينة أمام العرب لوضع خارطة المصالح على طاولة البحث، والتعاطي بشكل متوازن مع واشنطن وباقي أطراف الخارطة الدولية تبعاً لحسابات الربح والخسارة كما هو الحال في العلاقات بين المجموعات والكتل الدولية.
الآن ومع نهاية العام الرابع من الاحتلال، وفي ظل الفوضى التي تدب في العراق والانفلات الأمني المريع من أقصاه إلى أقصاه، فان إطاراً للحل في العراق يفترض به أن يتضمن : (مؤتمر للمصالحة الوطنية) لا يمكن القفز إليه كشعار، بل يجب التمهيد له من خلال إلغاء قوانين الحاكم العسكري الأميركي السابق بول بريمر.
والمتعلقة باجتثاث واستئصال بعض الاتجاهات الفكرية والحزبية في الحياة السياسية للشعب العراقي، كحزب البعث العربي الاشتراكي وحل الجيش العراقي، كذلك إعادة النظر في الدستور العراقي بما يضمن وحدة العراق الجغرافية والبشرية ويضمن انتماءه العربي، وحل المشكلة المفتعلة بالنسبة لمدينة كركوك لتكون مدينة للتعايش بين مجموع مكونات الشعب العراقي، واستعادة الفئات التي عُزلت من العمل السياسي. على طريق المصالحة الوطنية التي تقود العراق إلى برّ الأمان.
على كل حال، إن إدارة الاحتلال الأميركي قبل مغادرة «الباشا برايمر» قررت العودة إلى الاستعانة بالبعثيين العسكريين والمدنيين الذين سرحتهم عندما أسقطت نظام صدام، ودمرت معه الدولة العراقية، ثم اكتشفت أنها هي أيضا قد باتت وسط الركام. ومجرد عودة ألوف الضباط والموظفين والمدرسين البعثيين، يشكل إشارة ذات معنى ومغزى موجهة إلى مختلف الفصائل السياسية والمذهبية العراقية.
لقد جاءت الديمقراطية الأميركية بكل الشخصيات والأحزاب والتنظيمات من الخارج نحو بغداد، بانتماءاتها الضيقة عن الانتماء للعراق الوطن، وتلوِّح بهوياتها الحزبية أو الاثنية، أو الاثنتين معاً، على حساب هويتها الوطنية والقومية. وفي هذا «الفولكلور» الطاغي والمستورد في بعض منه، والمصنع أميركياً في بعضه الآخر، لا يمكن استثناء أحد في الديمقراطية. فهي خيار يتسع للجميع تحت سقف واحد.
كاتب فلسطيني ـ دمشق
