في سبتمبر 1980 اشتعلت الحرب العراقية الإيرانية ودارت رحاها قاسية حتى صدر القرار 598 في 20 يوليو 1987 بإجماع أعضاء مجلس الأمن الدولي ورفضته إيران التي كانت آنذاك تعيش فورة الثورة تحت قيادة الزعيم آية الله الخميني بشخصيته الكاريزمية وزخم انتصاره على الشاه، فضلا عن أن الفصل الأخير من الحرب شهد انقلاب الموازين لصالح إيران التي كانت تخوض معارك ضارية على الأراضي العراقية .
وتوشك أن تدخل البصرة، كان هذا الصراع المرير يجري في ظل النظام الثنائي القطبية ولكن الخميني قرر قبول القرار الدولي الداعي لوقف إطلاق النار مطلقا عبارته الشهيرة إن قبول القرار يشبه «تجرع السم»، وفي المقابل يتجه السلوك السياسي الرسمي الإيراني الراهن نحو التصعيد، فهل يقرر مرشد الثورة أن يوقف تخصيب اليورانيوم ويتجرع السم!
**مشهدان ورجلان
المشهد الإيراني الحالي مشهد مماثل تقف فيه إيران في مواجهة تهديدات خطيرة لأمنها بسبب المشروع النووي لكن تغيرات مهمة حدثت فالاتحاد السوفييتي انهار وحل النظام الأحادي القطبية محل النظام ثنائي القطبية والخميني رحل وحل محله خامنئي وأحمدي نجاد جلس مكان هاشمي رفسنجاني الذي كشف بعد تركه منصب الرئيس عن أنه لعب دورا رئيسيا في إقناع الخميني بقرار وقف الحرب بينما نجاد يسير في الطريق نفسه الذي يسير فيه خامنئي وهو التصعيد ثم التصعيد.
وما أعلنه الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد مؤخرا عن انتقال بلاده إلى تخصيب اليورانيوم على نطاق صناعي وما لوح به من احتمال انسحاب إيران من معاهدة الانتشار النووي استجابة مناقضة لتحد مشابه، ففي المشهد الأول تلقت إيران تحذيرا عبر طرف ثالث من أن الولايات المتحدة ستوجه ضربة عسكرية لإيران ما لم توقف الحرب.
وفي المشهد الثاني تتواتر الشواهد على جدية التهديد الأميركي بالقيام بعمل عسكري ضد إيران ما لم توقف تخصيب اليورانيوم، فالروس يتحدثون عن عملية عسكرية «اللسعة» تعيق البرنامج النووي الإيراني ما بين 5 و7 سنوات، والفرنسيون يطالبون إيران بأن تأخذ على محمل الجد احتمال توجيه ضربة عسكرية ضد منشآتها النووية «قبل نهاية العام الحالي». وربما كان التصريح الأكثر مدعاة للتأمل قول الرئيس الإيراني: «إن أمتنا ستدافع عن حقوقها حتى النهاية» وهو بذلك يفتح الباب للانتقال محطة «العقوبات» وهي مؤقتة إلى مستقر «النهاية»!
وجدية التهديد الأميركي بعمل عسكري تكتسب أهمية أكبر من المعلومات المنشورة عن أن العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز حذر نجاد من «اللعب بالنار».. والاستخفاف بالتهديد الأميركي، وحسب رواية وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل في حديث صحافي لمجلة «نيوزويك» الأميركية فإنهم قالوا لأحمدي نجاد لا يجب أن تعتقد أن الهجوم الأميركي على إيران تهديد مستبعد بل تهديد حقيقي وربما محتمل.
**بحثا عن العدالة
وقد يكون من الإنصاف أن ننظر للمشهد من نافذة إيرانية للوصول إلى رؤية أشمل وأوضح ولأجل تفهم أفضل لوجهتي النظر: الإيرانية والغربية، فالموقف الإيراني «عادل» من وجهة النظر الإيرانية فهم يريدون استخدام حقهم الطبيعي الذي يكفله القانون الدولي في حيازة التكنولوجيا النووية السلمية وبخاصة أن النادي النووي يضم دولة شرق أوسطية أخرى هي إسرائيل وانفتح بابه قبل سنوات لتدخل منه الهند وباكستان بقدرات نووية عسكرية.
والموقف الإيراني يتأسس على فكرة تبدو مثالية لكنها لم يكن لها وجود يوما على ساحة السياسة الدولية وهي قيام العلاقات الدولية على الديمقراطية والمساواة بين الدول، وهو ما لم يحدث أبدا، فالعلاقات الدولية كان يحكمها دائما منطق «عدالة الأقوى» والطريق إلى تغيير الوضع القائم لا يحدث عبر انتزاع اعتراف ممهور بالخاتم النووي بل عبر انتزاع موقع الدولة الأقوى من خلال آليات المنافسة الاقتصادية والسياسية بل الثقافية حتى يأتي اليوم الذي تكون فيه إيران أو ـ غيرها ـ في وضع يسمح لها بأن تشارك في وضع «معايير العدالة» التي ليس من بينها الديمقراطية أو المساواة المنشودة.
**مواريث الدم
والملف النووي الإيراني لا يناقش في إطار «المبدأ العام» ولا حتى في إطار المعايير التكنولوجية والاعتبارات الفنية المحض فهو جغرافيا في قلب أكثر مناطق العالم سخونة واضطرابا وعلى مرمى حجر من فلسطين تلك البقعة التي أشعلت أحد أكثر الصراعات دموية في القرن العشرين.
ولدى الغرب الآن حصيلة من التجارب المريرة مع الأنظمة التي تولي اهتماما مبالغا فيه بالقوة العسكرية. وأيا كانت دقة التوصيف فإن الملف الإيراني يوضع في العقل الغربي ضمن سلسلة من التجارب المماثلة التي أدى التراخي في التعامل معها إلى نتائج وخيمة: النظام النازي، نظام ميلوسيفيتش، النظام البعثي السابق في العراق، النظام الكوري الشمالي.
وبالتالي فإن محاولة بناء الثقة مع الغرب كانت أفضل السبل للوصول لمواءمة وحل وسط تاريخي يحقق لكل من الطرفين «قدرا» مما يريد لكن المنطق الحدي التصعيدي الإيراني يوشك أن يفوت هذه الفرصة نهائيا بل قد يشكل عبئا على أطراف في التحالف الغربي حاولت خلال الفصول السابقة من أزمة لجم الجموح الإنجلوسكسوني (الأميركي البريطاني)، وخلال الأسابيع القليلة الماضية تبدو مؤشرات واضحة على تململ روسي فرنسي ملموس. فضلا عن قلق إقليمي يعبر عن نفسه على استحياء في منطقة دفعت ثمنا كبيرا لوجود اختلالات كبيرة في توازن القوى بين دولها، ولديها خبرات مؤلمة في هذا الشأن.
إن أحدا لا يستطيع تجاهل التغيرات الجذرية التي طرأت على صورة المجتمع الدولي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، كما أن أحدا لا يستطيع أن يشكك في شجاعة الخميني الذي خاض صراعين كبيرين ضد الشاه وضد صدام حسين، ولا أظن أحدا يشكك في كفاءة علي أكبر هاشمي رفسنجاني وحنكته السياسية وإخلاصه للثورة الإيرانية، فلماذا يفضل ثنائي: خامنئي ـ نجاد تخصيب اليورانيوم، بينما في مشهد مماثل فضل ثنائي: الخميني ـ رافسنجاني تجرع السم؟!
ومتى يقرر الزعيم تجرع السم؟!
كاتب مصري