منذ ثلاثة أيام والأوساط الإعلامية والدولية مشغولة بقصة، ترقى إلى مستوى الفضيحة؛ كان المقر الرئيسي للبنك الدولي في واشنطن، مسرحها. عدة عناصر تضافرت لتضعها في وسط دائرة الضوء ولتجعل منها حديث الناس والساعة.
فهي بطبيعتها تتعلق بالأخلاق الوظيفية. خاصة لأن الوظيفة هنا رفيعة وذات طابع دولي. كما لأن المؤسسة دولية. وبطل الفضيحة هو رئيس هذه الأخيرة وليس غيره. والأفظع انه قام بتسخير هذا المنصب المهم والرفيع لممارسة «المحاباة».
رئيس البنك بول وولفويتز ـ أحد أبرز مهندسي حرب العراق يوم كان نائباً لوزير الدفاع الأميركي رامسفيلد ـ تبيّن انه منح علاوات لموظفة، تعمل في قسم العلاقات العامة في هذه المؤسسة؛ بأكثر من ستين ألف دولار؛ ليصبح راتبها السنوي حوالي 193 ألف دولار، معفى من الضرائب. مبلغ يتجاوز ما يتقاضاه وزيرخارجية الولايات المتحدة. كوندوليزا رايس تتقاضى 186 ألف دولار وخاضع للضرائب. لماذا العلاوات والزيادات؟ لأن الرئيس تربطه بها علاقة عاطفية، منذ سنوات!
وكان وولفويتز، عند انتخابه مديراً للبنك عام 2005، قد بادر إلى نقل صديقته من وظيفتها إلى وزارة الخارجية الأميركية؛ بحجة ـ أو هكذا أوحى ـ اجتناب «تضارب المصالح». لكن الموظفة بقيت تتقاضى راتبها من البنك. حجم الزيادة وسرعة الترقية، استوقفت مجلس إدارة البنك. ففي الأمر مخالفة وتجاوز واضحان. وحين اكتشف الأمر وطلعت سيرته إلى وسائل الإعلام، سارع صاحبه إلى «الاعتذار»(!) والاعتراف بالخطأ. طبعاً لولا انكشاف القصة لما كان الاعتذار وارداً. ولا الاعتراف بالشطط.
العملية تندرج في خانة «التنفيعة» لصديقة شخصية، على حساب مصلحة دولية، مؤتمن رئيس البنك عليها. فهذا الأخير يمارس وظيفته التنموية، بتأمين القروض الرخيصة للدول؛ تحت شروط، على رأسها مطالبة هذه الدول بممارسة التقشف ومحاربة الفساد.
والأنكى أن وولفويتز أتى إلى منصبه حاملاً، كما زعم، شعار التصدي للفساد. وعاد أمس في ندوته الصحفية التي اعتذر فيها عن فعلته، ليشدد على ضرورة «مكافحة الفساد» في العالم! وكأن ما فعله لا صلة له بالفساد. وما صار معروفاً انه عندما قرر العلاوات لصديقته تفادى طرح الموضوع على الدوائر الإدارية المعنية في البنك. استخدم صلاحيات وتجاوز الإجراءات اللازمة والأصول المعمول بها. ونقلت مصادر من داخل البنك انه حاول «استباق» وتطويق القصة لمنعها من الخروج إلى العلن.
لكنه لم يفلح. والآن تتزايد الضغوط والمطالبات برحيله. مجلس مديري البنك ـ 24 يمثلون الدول الرئيسية المساهمة فيه ـ يقررون قريباً في الموضوع.في ذات الوقت سارع الرئيس بوش ووزير ماليته إلى منح الدعم والتعويم للمتورط وولفويتز.
ما جرى فضيحة، بكل المقاييس. وقد رافقها الكثير من الاستخفاف والاستهتار بالقواعد والضوابط. ولا شك انها تلحق الأذى ليس بالبنك فحسب بل أيضاً بالمؤسسات الدولية، التي تحتاج إلى الكثير من رد الاعتبار.