كل شيء على الساحة الفلسطينية معكوس دائما فهاهم الأولاد يلتهمون أمهم وهاهم رموز السلطة الفلسطينية يقررون تصفية المنجز التاريخي الوحيد والأوحد الذي حققه الشعب الفلسطيني على مدار سنوات نضاله الطويلة والمريرة ممثلا بمنظمة التحرير الفلسطينية، التي تعتبر الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني في جميع المعاجم السياسية في الأرض وفي كنف كافة الهيئات والمنظمات الإقليمية والدولية وحتى غالبية دول العالم.

فبأي حق تقدم هذه الرموز المهترئة على خطوة بهذا الحجم وفي ميدان يدرك الجميع أنه يشكل البعد الجيوسياسي للقضية الفلسطينية التي ستبقى بدونه مجرد ترتيب وصفقات أمنية لا تهدف إلا إلى تأمين الكيان الصهيوني وإبقائه بمنأى عن «كراهية وحقد» الفلسطينيين.

يبدو أن رئيس السلطة لا يهنأ له بال من دون أن يقدم المزيد من أوراق الاعتماد المطلوبة أميركيا وصهيونيا حتى يبقى على رأس مؤسسة باتت أقرب إلى هيئة العصابة، إذ لا يحلو لها العمل إلا في العتمة وبعيدا عن الأضواء وتحديدا عندما يتعلق الأمر بقضايا إستراتيجية حيوية تضرب عميقا في جوهر وماهية ومستقبل القضية الفلسطينية.

هل يكفي «مرسوم رئاسي» للتعامل مع هذه القضية الكبرى وهل يعتقد رموز السلطة أن نضالا دام لأكثر من أربعين وقدمت على مذبحه شتى وأجل أنواع التضحيات هو مسألة إجرائية أو شكلية لا تستحق أكثر من تشكيل لجنة فرعية للتعامل معها وتصفيتها.

وكيف لهؤلاء حتى أن يفكروا بقلب هذه الصفحة التاريخية وبهذا الشكل المهين لأصحاب كل تلك التضحيات الجسام دون الرجوع إلى الأطر الرسمية التي تقوم عليها م. ت. ف. وفي مقدمتها المجلس الوطني الفلسطيني، الذي ما عدنا نسمع أو نقرأ عنه إلا في كتب التاريخ رغم أن أحدا لم يسمع أو يقرأ حول قرار أو مرسوم ينص على تصفية هذا المجلس، الذي لطالما احتدم فيه النقاش عند كل منعطف تاريخي شهدته القضية الفلسطينية منذ أن تشكلت المنظمة بقرار عربي عام 1964.

وإذا كان الأمر كذلك، أفلم تعقد قمة عربية مؤخرا، ألم يكن من الأجدر بمكان أن تطرح هذه القضية في أروقة تلك القمة طالما أن موضوعها يتعلق بقرار متخذ من قبل المنظمة العربية المشرفة على تلك القمة؟ أم أن تقزيم قضايانا بات منهجا ثابتا في أذهان وضمائر الممسكين بزمام القرار في هذه المنطقة المنكوبة من العالم؟

ثم ألا تستحق كل تلك المسيرة الطويلة وقفة تضاهيها حجما وشكلا ومضمونا؟ أما الإجابة على هذا السؤال وغيره، فإنها واضحة وضوح الشمس في عين كل من يتمتع بنعمة البصر، لكن ماذا يقول أبناء الشعب الفلسطيني الرازحون تحت الاحتلال وفي المنافي عن الذين فقدوا نعمة البصيرة، فراحوا يقضون مضجع كل أم فلسطينية ثكلى بشهيد قدم دماءه رخيصة في سبيل إعلاء كلمة م.ت.ف. في العالم.

وكيف لنا أن ننسى وقفة رئيس المنظمة الراحل أبو عمار أمام الجمعية العامة التابعة للأمم المتحدة في منتصف سبعينيات القرن الماضي حين أطلق كلمته الشهيرة: «جئتكم حاملا غصن الزيتون بيد والبندقية بيد»، كيف لنا أن ننسى هذا الاختراق التاريخي الذي حققه الشعب الفلسطيني بدماء أبنائه في جدار الصمت الدولي حيال أكبر مظلمة في تاريخ البشرية؟

إن اللجنة الفنية والإدارية التي شكلها رئيس السلطة محمود عباس والتي استهلت اجتماعاتها على وجه السرعة في عمان مؤخرا تحت عنوان توحيد الأنظمة الإدارية والمالية ما بين السلطة الفلسطينية ومؤسسات منظمة التحرير أو ما تبقى منها في واقع الأمر، ستقود حسب الرأي العام السائد في الساحة الفلسطينية، إلى القضاء على البنية التشريعية والقانونية التي لا تزال تحمل اسم منظمة التحرير بعد أن تم عمليا إنهاء المؤسسات السياسية للمنظمة التي لم يعد لها وجود فعلي على خارطة القرار الفلسطيني.

ولا سيما بعد أن تمكنت رموز السلطة الفلسطينية، التي يجدر تسميتها سلطة أمنية وليس سياسية وذلك للدور الأمني الخطير الذي تلعبه على الساحة الفلسطينية الداخلية، من التخلص من التراث الكفاحي لياسر عرفات وتطبيق خطة تدريجية لإحلال وزارة المالية التابعة للسلطة محل الصندوق القومي الفلسطيني وإغلاق مكاتب المنظمة خارج الأرض المحتلة.

ولا حاجة لكثير عناء لرؤية ما يقبع خلف هذه الخطوة التراجعية الخطيرة والتي لا تشكل إلا إحدى حلقات سلسلة من الخطوات المماثلة التي دأبت رموز السلطة على اتخاذها انصياعا لإملاءات الدوائر الصهيوأميركية، ذلك أن المقصود أولا وأخيرا منها ومن مثيلاتها لا يخرج عن إطار الهم الأساسي الذي يقض مضجع أصحاب القرار في الكيان الصهيوني والمتعلق بتصفية قضية من قامت منظمة التحرير بهم ومن أجلهم: اللاجئون الفلسطينيون، خاصة وأن الجميع يتذكر أن هذه المنظمة نشأت بالأصل حتى قبل أن تستكمل الدولة العبرية احتلال ما تبقى من أراضي فلسطين التاريخية عام 1967.

bassil@albayan.ae