تمعنوا في هذه الشواهد التاريخية. في منتصف القرن التاسع عشر (1848) أصدر كارل ماركس البيان الشيوعي التاريخي، الذي يبدأ بالعبارة الشهيرة: شبح يجول في أوروبا .

بعد ذلك بقرن، تتشكل عام 1949 منظمة معاهدة شمال الأطلسي ( الناتو ) بجناحيها - العسكري والاقتصادي لمواجهة «الشبح الشيوعي» الذي تجسد في قيام الاتحاد السوفييتي ثم بقية المنظومة الاشتراكية. وبعد نصف قرن صفى الناتو حساباته مع معظم الدول الاشتراكية، وبدأ زحفه لتطويق روسيا من مختلف الجهات وعلى مختلف الأصعدة. وفي هذه المعركة أصبح الناتو يشعر أن جناحيه العسكري والاقتصادي لا يكفيان، فبدأت الأحاديث تدور عن أهمية بروز جناح ثالث - الناتو الطاقي.

تحركت روسيا بسرعة لترد بحشد أكبر عدد من البلدان المنتجة للغاز كثالث أهم مصدر للطاقة في العالم المعاصر (23% من الاستهلاك العالمي، بعد النفط - 36% والفحم 26% )، لتوجد نوعا من التنسيق بين منتجي الغاز للسيطرة على سوقه طلبا وعرضا، نوعا ما على غرار أوبك.

بدأت القصة عام 2001 عندما أنشأت 18 دولة تملك 73% من الاحتياطي العالمي وتؤمن 42% من الإنتاج منتدى الدول المصدرة للغاز GECF. انعقد المنتدى الخامس في 25 ابريل 2005 في ترينيداد وتوباغو دون أن يثير انتباه العالم. والحقيقة أن هذا المؤتمر هو الذي وضع الأساس لكل الحديث الدائر اليوم عن نية GECF لتشكيل «أوبك» غازية. فذلك الاجتماع قرر أن لقاء الوزراء القادم يجب أن يعتمد تنظيما «ثلاثي» المستوى: مؤتمر وزاري، لقاء الخبراء و«المكتب التنفيذي».

وبالفعل أنشأ على إثر ذلك في الدوحة ما عرف باسم هيئة الاتصال التابعة للمنتدى GEFC (Liaison Office) . وكان من المفترض أن يتم تحويل هذه الهيئة إلى مكتب تنفيذي في العام الماضي في المنتدى الذي كان يجب أن يعقد في كاراكاس. ولو تم ذلك لكانت تلك إشارة البدء الجدية لقيام منظمة الأقطار المنتجة والمصدرة للغاز. لكن المنتدى لم يعقد لأسباب كانت الضغوط الأميركية أقواها. أما هذه المرة فتشير الدلائل إلى أن ضغوطا كهذه لم تمارس من أجل إفشال الملتقى السادس الذي انعقد الاثنين الماضي في العاصمة القطرية الدوحة بمشاركة 14 دولة. ويبدو أن تطمينات ما أعطيت للغرب بهذا الصدد. وقد اتضح ذلك في القرارات وعدد من التصريحات على هامش المنتدى.

لم يتحدث الملتقى السادس رسميا عن التوجه لإقامة المنظمة الموعودة. وأشار البيان الختامي إلى أن الوزراء أكدوا على أهمية التعاون فيما بين الدول المصدرة للغاز بهدف تأمين إمداداته والحفاظ على توازن السوق لمصلحة المنتجين والمستهلكين. لكن المؤتمر أقر تشكيل لجنة لدراسة أسعار الغاز وتطورات سوق الغاز العالمية.

وهذا ما اعتبره الغرب أنه الخطوة الأولى نحو قيام المنظمة المنشودة. والحقيقة أن الأمر كذلك. وكان أصدق تعبير عن ذلك هو ما قاله وزير الطاقة الإيراني كاظم هامانه بأن هذه المنظمة ستكون مفيدة، وأن هناك مقترحات بشأنها، لكن العملية ستستغرق وقتا طويلا. ويشير البعض إلى أن ذلك قد يمتد إلى أبعد من عشرين عاما.

ومع ذلك فقد كان استنفار الولايات المتحدة والغرب شديدا. في اليوم التالي، 10 ابريل، نشرت صحيفة Die Welt الألمانية مقالا حول المنتدى يبدأ بنفس ما بدأ به ك. ماركس البيان الشيوعي شبح يجول.. ولكن.. في الدوحة هذه المرة. والشبح ليس الشيوعية طبعا، بل تضامن منتجي الغاز فيما بينهم.

وزير الطاقة الأميركي سام بودمان قال ان ذلك نشاط مناهض للمنافسة سيسبب مشاكل للمنتجين والمستهلكين. نائبة رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي إليانا روس - ليتينين قالت بأن وجود منظمة لمنتجي الغاز تضم روسيا سيشكل تهديدا مكينا وطويل الأمد لإمدادات الطاقة العالمية.

وطلبت من وزيرة الخارجية العمل بكل نشاط لمناهضة قيام هذا الابتزاز الكوني وقال جان- فرانسوا سيريلي رئيس Gaz de France لقناة LCI التلفزيونية ان قيام مثل هذه المنظمة ليس في صالح الدول الأوروبية المستهلكة، لأن الغاز هو مادة الطاقة التي سيكون إنتاجها الأكثر تطورا خلال الثلاثين سنة القادمة، ولأن اعتماد أوروبا سيتزايد مع كل يوم حيث أن إنتاجها الذاتي من الغاز آخذ في التراجع. ويدعو في مقابل ذلك إلى التفكير في سياسة أوروبية جديدة للمواجهة.

في ضوء كل ذلك ما صدقية أن مثل هذه المنظمة ستقوم ؟ متى ؟ وما الذي يؤخر قيامها؟

الشبح الأزرق أي قيام منظمة لمنتجي الغاز لا يهدد الغرب على المستوى المنظور. الطبيعة التي قامت عليها أوبك عام 1960 للسيطرة على أسعار النفط وكميات إنتاجه تختلف عن طبيعة الأمور في سوق الغاز العالمية. والحقيقة أن مثل هذه السوق العالمية لم تتشكل بالنسبة للغاز بعد ثلاثة أرباع الوقود الأزرق يصدر على أساس عقود طويلة الأمد تمتد إلى عشر سنوات فأكثر. (مثلا، «غازبروم» ترتبط بعقود مع شركة Eon Ruhrgas تمتد حتى عام 2035).

كما أن كلا من هذه العقود تسري في إطار منطقة جغرافية محددة، حيث تمتد خطوط أنابيب نقل الغاز. وقد يختلف الأمر بالنسبة للغاز المسال الذي يتم نقله عادة كالنفط إلى أي نقطة في العالم على ظهر الناقلات. فالغاز المسال هو الذي سيشكل سوق الغاز العالمية بالتدريج.

إذن هنا تنشأ إمكانية التأثير على أسعار الغاز العالمية، وهنا تنشأ الإمكانية الموضوعية لقيام منظمة للدول المصدرة للغاز. لكن هذا أيضا لا يكفي، لأن الغاز المسال لا يزال يشكل أقل من ربع حجم تجارة الغاز العالمية. وفي نفس الوقت لا يمكن بيعه إلا لمستهلكين محددين، وهم الذين سبق وأن أقاموا لذلك البنية التحتية غير هينة التكاليف.

وأمر آخر أيضا.

صحيح أن إيران وقطر وروسيا يسيطرون على56% من احتياطات الغاز العالمية و26% من إنتاجه، لكن تقريرا إحصائيا عن الطاقة الدولية أصدرته شركة BP عام 2005 لا يذكر قطر وإيران من بين مصدري الغاز الرئيسيين في العالم، وهم روسيا ( 151 مليار م3)، كندا ( 104 مليار)، النرويج (79)، الجزائر (65)، هولندا (47). ومن بين هؤلاء ليست سوى روسيا متحمسة لقيام منظمة لمصدري الغاز. وقد يتغير هذا الترتيب بشكل جذري مع تطور صناعة الغاز في البلدان الأولى كما تشير الدلائل. وبانتظار ذلك تظل مسألة نشوء سوق الغاز العالمية ومعها منظمة منتجي الغاز العالمية عملية تاريخية موضوعية بدأت تشق طريقها منذ الآن.

كاتب بحريني

ajnoaimi@gmail.com