لن يبقى الأميركيون في العراق إلى الأبد.هذا ما ينبغي أن يستذكره قادة أكراد العراق على الدوام وإلا كانوا قصيري النظر.للقيادات الكردية هدف استراتيجي يتمثل في فصل إقليم كردستان لإقامة دولة كردية مستقلة على أرضه تتخذ من مدينة كركوك الغنية بالنفط عاصمة لها، وبالمعايير الجيوسياسية فإنها لا يمكن أن تكون هدفاً. هو فقط مجرد حلم. والمراهنة على أن الولايات المتحدة ستوفر حماية مستديمة لهذه الدولة إذا أنشئت هو أيضاً حلم.
ولا أدري كيف ينسى قادة أكراد العراق أن هناك ثلاث دولة تعتبر قوى إقليمية تعيش في كل منهما أقلية كردية. فتركيا وإيران وسوريا لن تسمح أبداً بقيام دولة كردية مستقلة في الشمال العراقي مما يحفز الأقليات الكردية الأخرى إلى المطالبة بكيان مماثل.
وحتى في الداخل العراقي يلقى هذا المشروع الكردي الاستفزازي معارضة شرسة. وهل ينسى القادة الأكراد أن هذه المعارضة تمثل رؤية الأغلبية السكانية في العراق. فعلى الرغم من الانقسام المذهبي بين الشيعة والسنة فإن بروز الاثنية الكردية سيؤدي بالشيعة والسنة إلى إعادة اصطفافهم كعرب في مواجهة أقلية غير عربية متمردة.
مما ضاعف المراهنة الكردية على الولايات المتحدة ما مارسته القوة الاحتلالية في ضغوط شديدة على القوى السياسية العراقية من أجل تضمين الدستور العراقي مادة تدعو إلى استفتاء لتقرير مصير مدينة كركوك، ينبغي وفقاً للمنطوق الدستوري أن يجري في نوفمبر المقبل. وبفضل المزيد من الضغط الأميركي قطع القادة الأكراد شوطاً على طريق الدولة المستقلة. فقد أقاموا نظام حكم ذاتيا موسعا بما في ذلك برلمان ومجلس وزراء بالإضافة إلى ميليشيا تحولت إلى جيش رسمي.
والآن وبدافع أميركي أيضاً ترفع القيادات الكردية صوتها مطالبة حكومة المالكي في بغداد بالشروع في إجراءات ينبغي أن تسبق عملية الاستفتاء من بينها إجراء تعداد سكاني، ويبدو أن هذه القيادات واثقة تماماً من أن نتيجة الاستفتاء ستكون لصالح انضمام كركوك إلى كردستان كعاصمة للإقليم الذي سيتحول إلى دولة مستقلة.
كل هذا الحلم نسج على أساس فرضية أن الولايات المتحدة ستكون الحارس الأعظم للدولة الكردية، وهنا يتجلى قصر النظر، فقد أصبح الانسحاب الأميركي من العراق حتمياً رغم أن حدوثه قد يتأخر. وفي هذه الحالة ستكون الدولة الكردية معرضة لهجوم كاسح من تركيا يحظى بدعم إيراني وسوري. بل ومنذ الآن أخذت الطبقة الحاكمة في تركيا تزمجر من خلال تصريحات لقادتها تعارض فيها مشروع الاستفتاء في كركوك.
ومما يروى في وسائل الإعلام الغربية أن من بين القيادات الكردية العراقية شخصيات تعارض فكرة الدولة الكردية المستقلة في كردستان محذرة من أن مثل هذا الكيان لن يكتب له البقاء طويلاً وأن هذه الشخصيات ترى أن الأفضل للأقلية الكردية الاكتفاء بحكم ذاتي في إطار نظام فيدرالي عراقي.ولكن يبدو أن القيادات قصيرة النظر هي التي تسيطر الآن على المسرح السياسي الكردي، وهذا مؤسف.