عندما تحدثنا في مقال الأمس عن مخاوفنا من اختلال التركيبة الاقتصادية بين الأفراد والأسر، اعتبرنا بعضهم نبالغ، وقالوا إن الحديث عن ذلك أمر مبالغ فيه باعتبار الوضع الاقتصادي الذي تنعم به الدولة، والذي يفترض أن ينعكس على حياة الأفراد والأسر وأوضاعهم الاقتصادية.
ونقول لهؤلاء إن ما نتحدث عنه واقع في ظل زيادات الأسعار، وثبات الرواتب، وعندما ننظر إلى الأسرة ذات الدخل المتوسط منذ عشر سنوات وأكثر، نجد أنها اليوم مصنّفة اجتماعياً ضمن الأسر الفقيرة التي لم تعد قادرة على مواجهة التضخم الذي تشهده الدولة.
نعم لا ننكر أن الدولة تشهد ازدهاراً اقتصادياً كبيراً، لكن هذا الازدهار منعكس على التجار والأثرياء، بصفتهم المستفيد الأول من كل هذه النهضة الاقتصادية، بسبب مشاركة فعّالة يقومون بها من خلال مؤسساتهم وشركاتهم، وبسبب تسهيلات تمنحها لهم الدولة، وبسبب عدم اعتمادهم على رواتب ثابتة، وإن حدثت فيها زيادة، فهي تعجز أيضاً عن مواجهة الوضع القائم.
ونقول لمن يعتقد أننا نبالغ إنه لدينا في الإمارات أسر لا يكفيها الراتب، وأخرى لا تملك مسكناً، وأخرى تعجز عن تغطية احتياجاتها الرئيسية، ومن ينزل الواقع ويبذل من وقته وجهده شيئاً يسيراً، حتماً سيجد ما نتحدث عنه، وعندما نحذر مبكراً من خلل التركيبة الاقتصادية، فذلك لأننا نأمل إجراء خطوات استباقية قبل أن نفاجأ بالخلل وقد أصبح واقعاً من الصعب إيجاد حلول له.
كما اننا ندق الأجراس مبكراً لأننا ندرك بأن هناك تحديات أخرى مقبلة ستزيد من تداعيات هذا الخلل، على المجتمع الإماراتي، هذه التحديات ستأتي رضينا أم أبينا كنتيجة للمتطلبات الاقتصادية العالمية التي تشجع الاقتصاد المفتوح والخصخصة في كل القطاعات، تعليمية أو صحية، وهو أمر سيؤدي بلا شك إلى مزيد من الزيادات في الأسعار، وارتفاع في تكلفة المعيشة وعندها ستئن الأسر الفقيرة أكثر من أي وقت مضى، لذا فإن ما نرجوه أولاً أن يتعامل المواطنون والمقيمون بجدية مع مسح إنفاق ودخل الأسر الذي تجريه وزارة الاقتصاد.
فهذا المسح يفترض أنه سيحدد أنماط الإنفاق، وسيبيّن متوسط إنفاق الأفراد على السلع، وبالتالي فإننا نتوقع أننا سنحظى بعده بنظام للضمان الاجتماعي، وتحديد خط الفقر، وسياسة اقتصادية تضمن الحفاظ على وجود الطبقة الوسطى التي بدأت تضمحل، وتضمن توزيعاً عادلاً للدخل يجعل المواطن يشعر بأن ما تشهده الدولة من نمو ونهضة اقتصادية كبيرة منعكس على دخله ووضعه الاجتماعي، من دون أن يكتفي بالسمعة وهو جائع، على حد قول القائل: «الاسم شايع.. والبطن جايع».