التطورات الأخيرة التي شهدها النزف المتواصل في العراق، تؤشر إلى أن عملية التمزيق الجارية بدأت تطاول مواقع هي، في رمزيتها بمثابة المعالم والروابط والخيوط المهمة؛ التي لا تزال تعكس وحدة النسيج العراقي. فهي من العناصر المتبقية لتماسك ولاستمرار هذه الوحدة.
وكأن الوضع قد دخل، أو على وشك الدخول، في طور الانقضاض على المكونات، القديمة أو المستجدة، للوضع العراقي؛ بهدف وضعه على طريق اللاعودة وتفكيك أواصره، فليس صدفة أو من غير مدلول، في ضوء الاحتدام الدموي الجنوني الدائر، ان يتم نسف جسر الصرافية الحديدي؛ بالتزامن مع التفجير الذي تعرض له مبنى البرلمان العراقي من الداخل. الأول أريد به بما له من رمزية تاريخية بغدادية، قطع التداخل والتفاعل بين الأحياء المتنوعة على ضفتي دجلة، في تلك المنطقة؛ وبالتالي ضرب الروابط وتعطيل خطوط الاتصال والتواصل بين عراقيين؛ مطلوب انطواء كل فئة منهم على نفسها والبقاء داخل الغيتو الخاص بها.
جزء من استكمال عملية الفرز، التي بدأت بموجات النزوح الداخلي وحالات الهجرة إلى الخارج، ناهيك بحفلات التصفية الجماعية التي جرت وتجري على الهوية. أما العملية الانتحارية، داخل كافتيريا المجلس الوطني فإن الهدف منها محاولة تقويض المؤسسة نفسها: البرلمان المفترض أن يبقى رمز اللحمة الوطنية وخميرة تطويرها وتعزيز تماسكها.
مثل هذا التطور في التصعيد، هو أكثر من مسألة أمنية. الاستهداف يطاول ما يتجاوز المكان. يطاول ما هو بمثابة العصب في الجسم العراقي، ويزيد من خطورته انه يشكل اختراقاً كبيراً من شأنه إرباك المحاولات الأمنية الجارية بأقصى طاقاتها وإمكانياتها، وجاءت مجزرة أمس في كربلاء لتزيد الطين بلّة وتعطي للاختراق حجماً اضافياً. وكأن الساحة باتت شبه مكشوفة أمام العنف المنفلت. يحصل ذلك في وقت تشهد فيه الأوضاع المجاورة حالة من التأزيم الجديد. وبالتحديد ما شهدته الأجواء التركية ـ الكردية من تراشق خطابي؛ رفع من درجة التوتر والبلبلة؛ سواء بين القوى والأوساط العراقية أو بين البعض منها وأنقرة.
قد تبدو كل هذه المجريات وكأنها من إفرازات التدهور العراقي وبالتالي ليس فيها ما يستدعي التوقف عنده وتحميله ما قد لا يحتمله، فالتفجيرات صارت جزءاً من اليوميات العراقية. وكذلك الضحايا، مجرد اسطوانة مكررة، ربما الأمر كذلك، منظوراً إليه في سياق التردي الأمني المتواصل منذ بداية الاحتلال، لكن في ذات الوقت، نوعية ما حصل ورمزيته، ولأول مرة؛ تفرض قراءاتها من زاوية أنها تشكل نقلة نوعية باتجاه الإمعان في تقطيع النسيج الاجتماعي والسياسي في العراق. كذلك هو يفرض قراءاته من منظار أن المواجهة بالخيار الأمني لوحده، ليست غير مأمونة فحسب؛ بل هي تنطوي على مجازفة بلوغ الانهيار نقطة اللاعودة. خيار المصالحة بات أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.