شباب بلا عمل ولا أمل، هذه هي المعضلة، ولن تكون هناك نهاية لأحداث التفجيرات الانتحارية في الجزائر والمغرب، بل أغلب الظن أن الظاهرة سوف تنتقل إلى بلدان عربية أخرى، طالما أن صفوف البطالة تنتفخ وتزداد انتفاخاً مع تخرج مئات الألوف من المدارس والمعاهد والجامعات إلى الشارع.
لذا فإن القمع الأمني يبقى بلا جدوى، بل ان المزيد من القمع لا يولد إلا المزيد من العنف الانتحاري الموجه ضد السلطة الحاكمة طالما أنها تتعمد تجاهل الأسباب الجذرية.
التنمية الاقتصادية والاجتماعية بند شطبته السلطة في العالم العربي منذ عقود زمنية عديدة، ولأن العمل التنموي المبرمج لم يعد له وجود، فإنه بطبيعة الحال لا توجد مشروعات في قطاعات الزراعة والصناعة والخدمات تتجدد عاماً بعد عام، فتولد وظائف جديدة لاستيعاب موجات شباب الخريجين.
ليست المشكلة فقر موارد اقتصادية. فالأرقام التي تصدر عن المؤسسات الدولية تعكس معدلات تقدم مستقرة للاقتصادات الوطنية في بلدان العالم العربي. المشكلة هي أين تذهب حصيلة الدخل السنوي؟.
النسبة العظمى تستأثر بها شركات أجنبية تسمح لها السلطة بتحويل أرباحها السنوية إلى الخارج بانتظام عاماً بعد عام. وما يتبقى يذهب لحساب ثلاثة بنود: بذخ السلطة الحاكمة وشريحة الوكلاء المحليين للشركات الأجنبية وميزانية أجهزة القمع الأمني، وما لم تتغير ملامح هذه الصورة ستبقى أجيال الشباب المتجددة بلا عمل ولا أمل.
لكن المشكلة لا تتوقف عند هذا الحد. فبالإضافة إلى وباء البطالة ومن ثم العوز والبؤس وموت الأمل في التغيير فإن جموع الشباب وغيرهم ممنوعون من مجرد التعبير عن الحال.
لقد سقطت الأحزاب التقليدية ككيانات سياسية قومية ففقدت ثقة الأجيال الصاعدة بعد أن استسلمت لعملية التدجين السلطوية. وفي الوقت نفسه حظرت الأحزاب الإسلامية استناداً إلى ابتداع سلطوي بمنع قيام أحزاب على أساس ديني.
ولا يقتصر الأمر عند حد إلغاء كافة حريات التعبير والتجمع، بل إن مهام الأجهزة الأمنية تتوسع لتشمل كافة تفاصيل الحياة اليومية للأفراد والأسر، وبينما تكتظ السجون بعشرات الألوف من المعتقلين السياسيين فإن عمل المحاكم الاستثنائية لا يتوقف.
من الطبيعي في مجتمع كهذا أن يبلغ اليأس بالشباب أقصى درجات التطرف العنفي بما ذلك التفجير الانتحاري.لا نقول هذا على سبيل تبرير الظاهرة، وإنما من أجل فهمها عن طريق معرفة أسبابها الجذرية.
ويبقى السؤال:
هل من المأمول أن تتوجه السلطة في جمهوريات العالم العربي نحو مخاطبة الأسباب الجذرية للعنف؟
للأسف ليس هناك مؤشر واحد في هذا الاتجاه. بل إن المعضلة تزداد تعقيداً مع تورط الحكومات العربية في الأجندة الدولية للحرب على «الإرهاب» التي تتبناها الولايات المتحدة.
ووفقاً لهذه الأجندة فإن شبهة الإرهاب لا تقتصر على الإسلاميين، وإنما تشمل كل من يتخذ موقفاً معارضاً للسلطة أو السياسات والممارسات الأميركية.