سواء نصبت إيران الثلاثة آلاف جهاز طرد مركزي بالفعل أم لم تفعل ذلك وإنما أعلنت عن قدرتها العلمية في هذا السياق كوسيلة من وسائل تقوية موقعها التفاوضي مع الغرب الذي يصر على وقف عملية التخصيب من أساسها حتى يدخل معها في مفاوضات ما بات يعرف «بتجسير الثقة».

فالمهم أنها قررت أن تمضي قدماً في عملية التخصيب إلى أقصى حدودها السلمية التي تمكنها من إنتاج الوقود «صناعياً» أي بما يمكنها من توفير الوقود اللازم لتشغيل منشأة نووية سواء بالحد الأدنى أي ما لا يقل عن 10 آلاف جهاز أو بالحد المتوسط أي خمسين ألف جهاز كما أعلن رئيس وكالة الطاقة الذرية الإيراني آقازادة لتصبح قادرة على توفير هذه المادة الحياتية بصورة تجارية.

فهذا القرار بحد ذاته يعتبر تحدياً من الوزن الثقيل من جانب دولة عالمثالثية مثل إيران تعتبر بنظر الغرب دولة «غير ديمقراطية» تغرد خارج السرب، ومن قبل الدول الصديقة مثل الصين وروسيا دولة «مناكفة» تسعى للخروج من دائرة احتكار الدول الكبرى للتقانة النووية وإنتاج الوقود النووي، وهو الواقع الذي ربما كان وراء «الإجماع» الذي تحقق ظاهراً في مجلس الأمن الدولي لمرتين متتاليتين ضد طهران بخصوص فرض العقوبات عليها للحد من مثل تلك الطموحات.

هذا التحدي هو ما لخصته طهران في الواقع عندما أعلنت صراحة بأن على العالم «تقبل هذا الواقع الجديد» والانطلاق منه إلى طاولة المفاوضات لإكمال عملية «تجسير الثقة» ورفع ما تبقى من التباسات أو غموض في برنامجها السلمي، وفي غير تلك الحالة فإنها كحد أدنى عدم الالتزام بالملحق الإضافي. ولسان حالها يقول: ما فائدة الالتزام من جانب واحد بهذه الاتفاقيات؟، وهي الاتفاقيات التي تفرض علينا واجبات ولا توفر لنا حقنا المشروع بالتخصيب وامتلاك الطاقة النووية بدورة كاملة كما تفيد روح الاتفاقيات، وكل ذلك بحجة أننا دولة «غير ديمقراطية»، وبالتالي غير موثوقة وغير مضمونة بعدم الانحراف نحو التسلح النووي، ما الحل إذن؟

طهران تقول إن الحل يكمن بالمفاوضات غير المشروطة وبتقديم الضمانات العينية المتبادلة حتى يتمكن المجتمع الدولي من رفع قلقه «المشروع» فيما تتمكن إيران بالمقابل من الحصول على حقها المشروع كدولة موقعة على المعاهدات الخاصة بعدم انتشار السلاح النووي.

الغربيون بالمقابل وواشنطن بشكل خاص يطالبون إيران بوقف نشاطها أولاً باعتباره «مشبوهاً» ومن ثم الانتقال إلى مرحلة البحث في الحوافز أو المحفزات أو الضمانات العينية المتبادلة!.

لكن السؤال المشروع الذي يطرح نفسه هنا هو: إذا كانت أجواء عدم الثقة المتبادلة هي السائدة، وإذا كانت إيران قد جربت الوقف التطوعي لعملية تخصيب اليورانيوم لمدة تقارب السنتين ولم تحصل على ما تعتبره حقها الطبيعي والمشروع، بل تلقت وعوداً غير مضمونة كما تقول مقيدة بشروط سياسية ثقيلة جداً من بينها الانخراط في عملية مكافحة الإرهاب الدولية، وهو ما يعني حسب معايير واشنطن المتأثرة بتل أبيب قطع كافة علاقاتها الاستراتيجية مع حركات التحرر وفي مقدمتها حزب الله اللبناني وحماس.

وبالمناسبة هذا ما كان قد ورد في سلة المحفزات التي عرضها الاتحاد الأوروبي على الإيرانيين في آخر أيام عهد الرئيس السابق محمد خاتمي، فكيف لإيران إذاً أن تثق بالوعود الجديدة في ظل تجربة فاشلة ـ كما تعتبرها ـ وفي ظل ظروف ترى نفسها فيها أكثر قوة من جهة ولكن أكثر محاصرة من جهة أخرى؟ ومن ثم يطالبونها بنزع كافة أوراقها التفاوضية القوية قبل الجلوس على طاولة المفاوضات؟!

هذه القراءة الإيرانية هي التي دفعت ولا تزال صانع القرار الإيراني ان يتجه إلى مزيد من التصلب ومزيد من الإصرار على المضي فيما يعتبره حقه الطبيعي والمشروع من الناحية القانونية، وأن يضرب بعرض الحائط كل العروض والمحفزات «النظرية» وأن يقبل بمجازفة الاستقطاب الحاد مع كل المجتمع الدولي معتبراً اللحظة التاريخية الراهنة هي اللحظة «الانعطافية» المناسبة لانتزاع اعتراف العالم بايران كقوة قادرة على أن تكون دولة نووية كاملة «نظرياً»، وفيما لو سمح لها بالتواصل الطبيعي مع العالم الخارجي دولة نووية كاملة عملياً أيضاً.

فالإيراني الذي يطالب العالم أن يتقبل الأمر الواقع الجديد.. أي أن يتقبل إيران القادرة على تصنيع الوقود النووي محلياً ومن ثم يجلس معها على طاولة المفاوضات إنما يريد في الواقع التفاوض بظروف متكافئة، لا بشروط مسبقة تجعله يعود إلى المربع الأول، أي المربع التابع إلى قرار الدول الكبرى التي تكون فيه هي التي تحدد معايير الثقة ومعايير أوصاف الدول الديمقراطية وغير الديمقراطية!

طهران التي تعتقد بأن زمن الإملاءات وتحديد المعايير في العلاقات الدولية من طرف واحد قد ولى منذ زمن ولا مجال فيه للعودة إلى الوراء، تريد فعلاً «تجسير الثقة» مع المجتمع الدولي وهي تعرض آليات عديدة لإنجاز مثل هذه المهمة، من بينها تشكيل كونسورسيوم دولي يضم أميركا نفسها يقوم هو بالإشراف الكامل على النشاط النووي الإيراني وتحت رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية أيضاً، إنما ترى بالمقابل أن اللجوء إلى التسييس الكامل للملف واعتبار مجلس الأمن الدولي هو المرجعية الصالحة لهذه، المهمة إنما يعني فيما يعني تحطيم آخر الجسور المتبقية بينها وبين المتطرفين من أعضاء المجتمع الدولي المحفزين إسرائيلياً لضرب طهران بذريعة أو بدونها.

وبالتالي فهي ترى أنه كما الانفتاح وإبقاء أبواب الحوار مفتوحة مع المجتمع الدولي فإن الحزم والمضي بخطوات قوية وثابتة إلى الأمام مطلوب أيضاً حتى يتم تجنب المواجهة العسكرية الكارثية، ذلك أنها تعتقد أن المتطرفين على الطرف الآخر لا يفهمون لغة الحوار الأحادية أو المفردة، ولا يفقهون التعامل مع «الآخر» إلا عندما يبدو مصمماً وقوياً ولا يظهر من التردد ما يُشير إلى الوهن أو الضعف، خاصة وقد تعودوا على مهاجمة الضعفاء وضربهم وتصفيتهم والتخلص منهم في المنعطفات حتى لو كانوا من أخلص الأصدقاء إليهم، فكيف إذا كانوا خصوماً أو أعضاء في محور الشر؟

إنها لحظة عصيبة بالفعل، والقرار الصائب فيها محل جدل ونقاش واسعين في الداخل الإيراني كما في الخارج، وصاحب القرار الإيراني يذكر المتملمين أو المعارضين أو المعترضين بالمثل الإيراني القائل: إذا ما طلب منك قول الألف أي الحرف الأول من حروف الأبجدية فاعلم أن عليك ان تقرأ باقي الحروف حتى النهاية، أي من يتنازل عن الشبر الأول سيكون مضطراً للتنازل عن المشروع بكامله، لكن ثمة من يذكر صاحب القرار في إيران بالمثل الإيراني الآخر الذي يقول من يقرر أن يأكل البطيخ عليه أن يتحمل رجفة البرد التي تنتج عنه، إنها معركة إرادات يقول صاحب القرار في إيران انه مستعد لكافة احتمالاتها وتداعياتها.