لا يمكن أن يكون المشهد العراقي بعد 4 سنوات من الغزو الأميركي قد طاف ببال الرئيس الأميركي وهو يأخذ بلاده إلى هذه الحرب غير المشروعة. ولا يمكن أن يكون قد فكر فيه مع السقوط السريع للنظام السابق في العراق ودخول قوات الاحتلال إلى بغداد. وبالطبع فإن الكابوس الذي يعيشه الآن كان أبعد ما يكون عن تفكيره وهو يهبط على حاملة الطائرات مرتدياً ملابسه العسكرية ليحتفل مع جنوده بأحد الأعياد ويقف منفوشاً ليتم تصويره أمام ديك رومي معد للعشاء التقليدي (تبين فيما بعض انه من البلاستيك) ثم يعلن بالفم المليان أن الحرب قد انتهت والنصر قد تحقق.

كان بوش يحلم بلا شك في هذه اللحظة أن تكون هذه هي اللقطة التي ستدخل ذاكرة التاريخ باعتبارها الإعلان الرسمي عن ميلاد الإمبراطورية الأعظم في التاريخ، فإذا به اليوم - بعد 4 سنوات من غزو العراق - يجد نفسه أمام حقيقة أن لحظة الميلاد (أو التي ظنها كذلك) كانت هي نفسها لحظة سقوط الإمبراطورية التي أوهمه اللوبي المسيحي اليميني الصهيوني والمسيطر على قراره أن الله قد اصطفاه ليكون صانعها الأعظم، وأن الجهود ينبغي ان تبذل لكي تدوم هذه الإمبراطورية ألف عام ولا تلاقي مصير إمبراطوريات استعمارية أخرى سبقتها على مر التاريخ.

الآن - وفي ذكرى مرور 4 سنوات على غزو العراق - يبدو المشهد مختلفاً كل الاختلاف. ويجد الرئيس الأميركي نفسه مضطراً لبذل الجهد لكي يقنع الرأي العام الأميركي أن خطته لتأمين بغداد (فقط بغداد) تسير قدماً إلى الأمام، ويجد الرئيس الأميركي نفسه في أزمة مع الكونغرس تعكس عمق الأزمة الأكبر التي يمر بها المجتمع الأميركي وهو يخشى شبح فيتنام مرة أخرى.

ويعاني من أسوأ الآثار التي تركتها عليه حرب العراق، بعد أن فقد من أبنائه حتى الآن حوالي 3250 قتيلا، وبعد أن بدأت تكلفة الحرب تقفز من خانة مليارات الدولارات إلى خانة التريليون (الألف مليار) وبعد أن وصلت شعبيه بوش إلى أدنى مستوى وأصبح المرشح بجدارة - إذا لم تحدث معجزة فيما تبقى من فترة رئاسته - ليكون الرئيس الأسوأ في تاريخ أميركا.

يدخل بوش معركة تكسير عظام مع الكونغرس الذي ربط موافقته على ميزانية الحرب في العراق بوضع جدول زمني للانسحاب من هناك في العام القادم، وهو ما يرفضه بوش بحجة انه بذلك يعرض سلامة الجنود الأميركيين للخطر ويمنح الإرهاب!! نصراً يعرض مصالح أميركا (وإسرائيل طبعاً) في المنطقة للخطر الشديد.

لكن ذلك لا يخفي المخاوف الحقيقية لدى بوش وأركان إدارته، ليس فقط من نتائج ذلك على انتخابات الرئاسة المقبلة، ولكن على ما يمكن أن يلحق بالرئيس وأعوانه إذا رضخ لقرار الكونغرس والتزم بالانسحاب وهو ما يعني الإقرار بالفشل وما يستتبع المحاسبة على هذا الفشل، خاصة إذا كانت الحرب قد قامت على مجموعة من الأكاذيب ثبت يقيناً أن العصابة المحيطة بالرئيس بقيادة نائبه تشيني كانت تعلم بحقيقتها.

وكانت تخفي التقارير الرسمية (من المخابرات وغيرها) التي تقرر أن كل ما طرح كأسباب للحرب كان كاذباً.. فلا العراق كان يملك أسلحة دمار شامل، ولا النظام السابق كانت له أي علاقة بـ «القاعدة» بل كان على العكس في مقدمة أعدائها، ولا الجيش العراقي - بعد التدمير الذي لحق به في حرب 91 والحصار بعد ذلك حتى الاحتلال الأميركي - كان يمثل أي تهديد للمصالح الأميركية في المنطقة.

بوش والعصابة المحيطة به بقيادة تشيني يدركون أن الرضوخ لشروط الكونغرس ستفتح الباب لما هو اخطر، وأن عودة الجيش الأميركي من العراق لا تعني فقط خسارة انتخابات الرئاسة المقبلة، ولكنها تعني فتح الملفات وبدء المحاسبة التي قد تطال الرئيس نفسه بعد أن يتحرر الجميع من عبء وجود الجنود الأميركيين في العراق، وخشية الكونغرس من أن يتهم بعدم توفير متطلبات حمايتهم.

وكان يمكن لهذه «الاستراتيجية» أن تنجح في إحراج الديمقراطيين، خاصة وأن الرئيس الأميركي هو الذي يملك القرار النهائي في القضايا المتصلة بإدارة الحرب، لكن بوش نفسه هو أول من يعرف أن نجاح هذه الاستراتيجية يرتبط بالنجاح على الأرض في العراق.

وبعض النظر عن الأكاذيب التي تم شن الحرب بمقتضاها، فقد كان من الممكن للرئيس الأميركي وأركان إدارته أن يجادلوا في الأمر بقوة لو أنهم نجحوا في إقامة واحة الديمقراطية التي وعدوا بإقامتها في العراق، ولو أنهم استغلوا مئات المليارات من الدولارات التي تحملتها الميزانية الأميركية ومثلها من أموال البترول العراقي لكي يعوضوا العراقيين عن سنوات الحصار ويضعوا أسس نهضة اقتصادية حقيقية يملك العراق كل مقوماتها.

لكن ما حدث خلال سنوات الاحتلال الأربع كان مأساة كاملة، انتهت بالمشهد الذي لن ينساه الرئيس بوش لفترة طويلة وهو مشهد مئات الألوف وهم يتظاهرون في «النجف» مطالبين برحيل الاحتلال الأميركي. وهو المشهد الذي حاولت الإدارة الأميركية والمتصلون بها التقليل منه بالادعاء بأنه من تدبير إيران وأنصارها ومن تنفيذ أعوان مقتدى الصدر المتهم بارتكاب مجازر طائفية ضد السنة. لكن الرد يأتي: ومن الذي سمح للنفوذ الإيراني ان يتمدد في العراق؟

ومن الذي سمح للميليشيات الطائفية (الشيعية أساساً) أن تتشكل وتتسلح وتسيطر على مناطق كاملة وتقسم النفوذ بينها (بالحرب أو بالاتفاق) لتتمكن من تقسيم العراق وإنشاء الجمهورية الإسلامية الشيعية في الجنوب والوسط بعد أن يتم تطهيرها من السنة؟ ومن الذي جاء بالقاعدة إلى العراق ليسهل تلطيخ المقاومة الوطنية المشروعة للاحتلال، وليتم تصوير الصراع في العراق على انه صراع بين «أمراء الإسلام» الذين يدعون الإمارة لأهل السنة، وميليشيات الشيعة التي راهنت أميركا في البداية أنها ستكون سندها وحليفها الأبدي لتكشف بعد ذلك أن كل طرف يتحالف من اجل «أجندة» خاصة به؟!

لقد جاءت أميركا بجيوشها تحت وهم أن الشعب العراقي كله سيقابلها بالورود، وهووهم ساهم فيه عملاء المخابرات الأميركية من العراقيين الذين جاءوا مع الدبابات الأميركية، وفتحوا الباب للميليشيات الشيعية التي كانت خارج الحدود، ولتسليح ميليشيات غيرها في الداخل. وعندما بدأت المقاومة الوطنية تم تصويرها على إنها مقاومة السنة فقط، بينما كانت الميليشيات الشيعية توطد نفوذها في الحكم وخارجه، وفي هذه المرحلة كانت إيران تتعاون مدركة أن إسقاط النظام السابق في العراق هو في مصلحتها، وأن توطيد نفوذ الميليشيات الشيعية هي أيضا في مصلحتها.

وعندما أدرك الأميركيون خطورة الموقف وتأثيراته داخل العراق وخارجه، وبدأ الحديث عن إدخال «السنة» في العملية السياسية، بدأ التصعيد في المجازر الطائفية، وارتفعت أصوات داخل الإدارة الأميركية تؤكد أن الحديث مع القيادات السنية الوطنية هو مضيعة للوقت، كما انه يؤثر سلباً على العلاقة بين الاحتلال وزعماء الميليشيات الشيعية، وأن الأكثر فائدة للأميركان هو توثيق التحالف مع الشيعة، وعدم إهدار الوقت مع القيادات السنية التي تصر على وضع جدول زمني لإنهاء الاحتلال.

الآن، وفي ظل «الاستراتيجية» الجديدة التي يقول الرئيس الأميركي أنها تحقق تقدماً نحو فرض الأمن في بغداد، تبدو أميركا في الحقيقة بلا استراتيجية تنقذ الموقف في العراق! فهي تقول إن قواتها تخوض حرباً حقيقية ضد ميليشيات الصدر المتهمة بارتكاب مذابح طائفية، بينما الصدر المختفي هو الحليف الأساسي لرئيس الوزراء المالكي وهو الذي جاء به رئيساً للوزراء، وبينما وزارة الداخلية نفسها - وباعتراف أميركا وبريطانيا - تمارس نفس الدور الذي تقوم به ميليشيات الصدر من ناحية وأنصار «القاعدة» من ناحية أخرى.. ولكن بملابس رسمية!!

هذا التخبط لا يعكس رغبة في إنقاذ العراق ولا حصاراً للحرب الطائفية، ولكنه يعكس الرغبة في إنقاذ الإدارة الأميركية لنفسها، وفي توفير الظروف الملائمة لخروج «مشرف» يخفي حقيقة المأساة التي حدثت عن الرأي العام الأميركي ولو إلى حين! ومن هنا فالحرب على الصدر وأعوانه ليست بسبب ضلوعهم في الحرب الطائفية بل بسبب معارضتهم للاحتلال. والسكوت على ميليشيات الحكيم يبررها مطالبته ببقاء القوات الأميركية، وتوفيره قناة اتصال مع طهران. والشيء نفسه مع الأطراف السنية وغيرها.

ومع ذلك يبقي مشهد تظاهرة النجف حاضراً في الذاكرة الأميركية كإحدى العلامات على فشل إدارة بوش في العراق، وسيتم استغلاله في الصراع الدائر بين الرئيس والكونغرس وإذا كان بوش يري أن ذلك أحد إفرازات «الديمقراطية!!» في العراق، فإنه يعرف بلا شك حدود المناورة في صراعه مع الكونغرس، ومن هنا دعوته للقاء الديمقراطيين للاتفاق على حل يجنبه نقض قرارا الكونغرس بربط ميزانية الحرب في العراق بجدول للانسحاب.

وقد يصل الطرفان إلى اتفاق بهذا الشأن أولا يصلان، ولكن ما يهمنا هنا أن الطرفين يتصرفان وفقا لما يريانه «مصلحة أميركا» وليس مصلحة العراق أو العرب. وان الطرفين في النهاية ورغم محاولات تحقيق مكاسب حزبية - يدركان أن الانسحاب أمر حتمي وإن اختلفا في خريطة الطريق إليه.

وانه إذا كان بوش يلوح بتحميل الديمقراطيين مسؤولية خسارة الحرب بعدم توفير التمويل اللازم أو بوضع شروط له، فإن الديمقراطيين قادرون على إثبات انه خسر الحرب بالفعل، وانهم لا يريدون إلا تجنيب أميركا أن تتحول الخسارة إلى كارثة ويبقي السؤال: أين العرب من هذا كله؟

هي سنكتفي بالفرجة على ما يجري في العراق؟ وهل سننتظر نتيجة الصراع الأميركي - الايراني حرباً أم وفاقاً؟ وهل سنظل أسرى «الفيتو» الذي وضعته أميركا حين بدأت احتلالها على أي دور عربي؟ وهل - بعد الفشل الأميركي الشامل - سنكتفي بأن ندعى إلى حوار هنا أوهناك باعتبارنا من «أهل الجوار!!» مثلنا مثل تركيا في أفضل الأحوال؟

وهل سنستطيع ترجمة ما أعلناه عن تمسكنا بوحدة العراق وعروبته إلى واقع فعلي يتخطي الانقسامات الطائفية ويعيد العراق وطناً لكل أبنائه؟ وإذا كنا مؤمنين بالفعل بأن ما وقع هو احتلال أمريكي غير مشروع.. فما هو الطريق لتحميل واشنطن كامل المسؤولية عما حدث سياسيا وأخلاقيا.. وأيضا مالياً واقتصادياً؟ وكيف نوقف الجريمة الجديدة التي لا تكتفي بتدمير العراق، وبدلاً من تحمل عبء إعادة إعمار، تسعي لوضع يدها على ثروته البترولية بعقود إذعان تريد إبرامها مع دولة تحت احتلالها؟

أسئلة تبحث عن إجابة عربية لا ينبغي أن ينتظرها العراق طويلا!!

نقيب الصحافيين المصريين