أربعة أعوام مرت على سقوط بغداد والتخلص من نظام صدام حسين وقد تمت تلك الحرب الإرادية بنوعين من التبريرات تبرير استراتيجي قام على الاستباقية ومفاده التخلص من نظام يملك علاقات وثيقة مع القاعدة والتخلص من نظام يبني قدرات نووية. والتبرير الثاني باعتبار أن الأول لم يكن قوياً.

وقد ثبت سقوطه بعد سقوط بغداد، كان أيديولوجياً بامتياز حاملاً لعنوان تغييري يقول بالديمقراطية. تبدو الصورة بعد أربع سنوات أن العراق يمثل أم المآزق بالنسبة للجميع عراقيين وعرب وأتراك وإيرانيين وأميركيين وفاعلين دوليين آخرين. جملة من الملاحظات تعبر عن حالة المأزق الجماعي ولو أن تداعياته متفاوتة بين طرف وآخر.

-إن الديمقراطية لا يمكن أن تبنى خارج إطار الدولة وعلى حساب الدولة من خلال الفراغ بل إن كافة التجارب الديمقراطية في العالم تدل على أن هذه الأخيرة لا يمكن أن تنشأ وبشكل تدرجي بالطبع إلا في إطار الدولة.

وبالتالي فإن إسقاط الدولة مع إسقاط النظام السابق تحت عنوان الوعد بالديمقراطية خلق بيئة شبه مستحيلة لإقامة الديمقراطية، خلق فراغاً كبيراً أدى إلى هروب الجميع كل إلى هويته الأصلية باحثاً عن الطمأنينة وخائفاً من المجهول الآتي. وزاد في صدام الهويات سياسة أميركية قامت على تشجيع الفعل السياسي كلياً على أساس الانتماء إلى الهويات ما دون الهوية الوطنية للمجتمع العراقي والى مواجهة كل طرف أو تيار يتمسك بهوية جامعة عراقية.

- العراق الذي صار القتل العبثي والهمجي عنواناً للحياة اليومية لمواطنيه يعيش سياسات التهجير وإقامة مناطق اللون الواحد يشهد اليوم وجود حوالي ثلاثة ملايين وثمانيمئة ألف مواطن بين لاجئ إلى الخارج ولاجئ في الداخل. العراق اليوم يشهد مقاومات تعبر عن هويات جريحة مصطدمة مع بعضها الآخر تحمل عنواناً وطنياً ولكن منطلقاتها وآفاقها تبقى طائفية مذهبية أو اثنية يجمع بينها العداء للمحتل .

ويجمع بينها أن كلاً من أطرافها يريد من هذا المحتل أن يساعده بشكل غير مباشر في التخلص من خصمه، جماعة الهوية الأخرى، دون أن تكون هنالك مقاومة ذات برنامج وطني. قد يقول البعض انه في مرحلة التحرير المطلوب التخلص من المحتل دون وجود برنامج سياسي ولكن في حالات التحرر يكون الجامع وطنياً ومعبراً عنه دون الدخول بالطبع في »تفاصيل« خيارات البرامج السياسية والاجتماعية.

ولكن في الحالة العراقية المختلفة وذات الطبيعة المعقدة مقارنة مع حالات تحريرية أخرى فالمشكلة تكمن في أن المشروع السياسي يبقى ضرورياً لأنه يتعلق بالهوية الوطنية وطبيعة الدولة ولا أدل من ذلك من أن ثلاثة عناوين خلافية قد تبدو قانونية واقتصادية وإدارية ولكنها في حقيقة الأمر تعبر عن صراع هويات جريحة وخائفة. والعناوين الثلاثة للتذكير تتعلق بقانون اجتثاث البعث وقانون النفط وقانون وضع كركوك.

- واشنطن وجدت نفسها أمام تحديات إعادة تعريف ثلاثة مفاهيم أساسية فيما يتعلق بحربها العراقية كدلالة على المأزق الكبير الذي تعانيه. أولاً: إعادة تعريف مفهوم الانتصار فبعد أن كان يقوم على إنشاء نظام صديق يشكل قاعدة حليفة لبلورة الأجندة الأميركية في المنطقة أياً كان الغطاء الأيديولوجي لهذا الهدف الاستراتيجي تراجع مفهوم الانتصار ليستقر على مستوى التخلص من نظام دكتاتوري خطير ومشاكس.

ثانياً إعادة تعريف مفهوم التغيير من إقامة النموذج الديمقراطي حسب الوصفة الغربية إلى القبول بنظام الاستقرار الممكن. ثالثاً إعادة تعريف مفهوم التأثير، كان يراد أن يكون العراق كدولة نموذجاً ذات تأثير في محيطها المباشر والأوسع وقد تراجع هذا الهدف ليتحول إلى العمل على منع تأثير العراق السلبي في صراعاته وحروبه على استقرار المجال القريب والأوسع.

ثلاثة خيارات تبدو أمام واشنطن: أولها الدعوة إلى الانسحاب المباشر لوضع العراقيين أمام الأمر الواقع والتخلص قبل كل شيء من الثقل العراقي الذي يزداد مع الوقت في إغراق واشنطن في قضية يبدو أنه لا مخرج منها على حساب أولويات دولية وداخلية ضاغطة. ولا يلاقي هذا الخيار تجاوباً في الإدارة ولا يجرؤ أحد على طرحه كخيار سياسي واقعي رغم تردده من طرف عدد من المسؤولين السابقين والأكاديميين. ثانياً، خيار الانسحاب التدريجي المرتبط بجدول زمني والمأخذ على هذا الخيار .

كما يقول بعض منظري الإدارة الأميركية انه يشجع أعداء واشنطن على الانتظار إلى ما بعد تحقيق خطواتها الانسحابية للانقضاض على السلطة لذلك يرى البعض تطعيم هذا الخيار بجدولة أهداف وليس جدولة زمنية مما يعطي مصداقية أكثر من هذا المنظور للدور الأميركي. كأن ترتبط كل خطوة انسحاب بتحقيق العراقيين لإنجاز يتعلق بتطبيع الوضع العراقي. ثالث هذه الخيارات الانسحاب نحو الحدود وانتظار لحظة التعب من النزاع حتى يتوقف في الداخل العراقي في إطار إقامة جدار واقٍ على الحدود يمنع انتقال النزاع إلى الخارج. إنها سياسة محاصرة الحريق وتركه يخمد بنفسه.

ويذكر الكاتب جيم هوجلند بنوع محدث لهذا الخيار يسميه بالخيار الكوري وقوامه إقامة درع ثابتة وواقية تسمح بحصول تطور ايجابي خلف هذه الدرع عبر الزمن كأن تقام درع حول بغداد وحول منطقة أخرى فيما تترك بقية البلد لحالة تعب المتحاربين، ثلاثة خيارات لا آفاق لها.

أطلقت حرب العراق حروباً وصراعات مختلفة ففي واشنطن تجري »حرب« شديدة بين الديمقراطيين والجمهوريين حول العراق ويتهم الديمقراطيون الجمهوريين أن محاولة التركيز على العراق على حساب أفغانستان قد أدت إلى زيادة الإرهاب بنسبة مرتفعة جداً ويشيرون إلى دراسة أميركية اعتبرت أن الإرهاب قد زاد بنسبة 7 أضعاف. وتقول مادلين اولبريت وزيرة الخارجية السابقة إن العراق يشكل أول كارثة في التاريخ الأميركي. هذه الحرب الحزبية لا تُخفي مأزقاً يعيشه كل من الحزبين الرئيسيين. فالديمقراطيون يريدون دفع الإدارة الأميركية لبرمجة انسحابها من العراق ولكنهم لا يريدون ولا يستطيعون تحمل كارثة أميركية تسمح بالتشكيك في »وطنيتهم«.

والإدارة الأميركية تعيش مأزقاً قوامه صراع بين الذين يريدون الاستمرار في السياسة ذاتها ولا يودون الاعتراف بالكوارث وبانسداد أفق هذه السياسة وبين الذين وهم على مستوى اقل من القرار والتأثير يريدون إحداث بعض التغيير وإعادة التموضع دون المس بالخطوط العامة لسياسة الرئيس بوش بغية حفظ ماء وجه هذه السياسة.

مأزق الداخل العراقي أيضاً أن كل جماعة ستجد نفسها لاحقاً في حالة اقتتال داخلي حول الخيارات وحول تنازع المصالح وحول تقويمها لكيفية الخروج من المأزق المشترك ولو أن الكل يرى طبيعة المأزق من زاويته المختلفة. تفتيت الصراعات قد يسمح بصياغة تحالفات جديدة عابرة للهويات وللجماعات التي تقفل كل على نفسها وهذا عنصر ايجابي .

ولكن في الوقت ذاته تزيد من تعقيد الوضع العراقي وزيادة المأساة المتزايدة كل يوم. أما الجوار القريب والبعيد فهو ضائع بين تحالفاته العلنية والصامتة بين محاولته الاستفادة من الحلوى العراقية في لعبة التنافس الإقليمي وبين تداعيات الانسداد العراقي على مصالحه الاستراتيجية وعلى سلمه المجتمعي باعتبار أن الوضع العراقي عنصر أساسي في زيادة منسوب الراديكالية بكافة أشكالها في المنطقة.

ويبدو العراق عشية المؤتمر الوزاري الدولي الإقليمي مطلع الشهر القادم في مصر والذي مازال يعكس موضوع عقده ومكان انعقاده صورة للعبة التنافس بين الأطراف الإقليمية الرئيسية، يبدو أمام تحدٍ كبير وهو أن المؤتمر يوفر الفرصة لإعادة تقويم مقاربة الجميع الفاعل للشأن العراقي. جملة من التحديات والدروس التي يمكن أن تشكل مخرجاً أو بداية الخروج من النفق العراقي. النفق الذي سيدخل فيه الجميع إن لم تبدأ رحلة الخروج في المؤتمر القادم:

بقدر ما أن الشأن الأمني مهم بقدر ما أن التسوية العراقية تبقى سياسية بامتياز الأمر الذي يستدعي إشراك كافة أطراف ومكونات الشعب العراقي في عملية البناء الوطني لإعطاء أوسع مشروعية ومصداقية »داخلية« لهذه العملية.

ــــ المطلوب حوار بين كافة الأطراف الخارجية الفاعلة والمؤثرة في العراق حوار لا يقوم على محاولة إقصاء أي طرف بل يهدف إلى إقامة نوع من التفاهم حول كيفية توفير استقرار العراق وحول كيفية منع العراق من أن يكون »ورقة« في يد طرف أو أكثر ضد مصالح حيوية لأحد هذه الأطراف فخلق توافق دولي إقليمي حول استقرار العراق يجب أن يعززه بالطبع الاقتناع بمخاطر استمرار الانهيار العراقي الذي سيطيح كلياً بإمكانية إقامة توازن مستقر في الخليج وفي الشرق الأوسط وسيجعل من العراق مصدراً مباشراً وغير مباشر لكافة أنواع المخاطر على دول المنطقة وعلى الأمن الإقليمي.

ــــ التحدي الأكبر والأصعب هو أن التوصل إلى هذا التفاهم الخارجي لا يمكن عزله كلياً عن حالة العلاقات القائمة على الصعيد الدولي الإقليمي في المنطقة.

بل يجب أن يشكل مدخلاً لتسوية تدريجية لهذه العلاقات أو على الأقل لإقامة نوع من التعايش بين العلاقات حول العراق من جهة والعلاقات في الشرق الأوسط من جهة أخرى باعتبار أن الشق الأول مصلحة للجميع ولا يمكن انتظار التوصل إلى تفاهمات أو علاقات مختلفة تحل محل العلاقات الصدامية في الشق الشرق أوسطي الأوسع.

وإذا كان من المستحيل أحداث تعايش مستمر بين نمطين متناقضين من العلاقات فإن التفاهم الضروري للجميع حول العراق قد يشكل تجربة ناجحة ويخلق دينامية للتوصل إلى تفاهمات لن تعود مستحيلة في الشرق الأوسط . دون ذلك فإن استمرار الاهتراء في العراق والتنكر لهذا الأمر أو توفير علاجات ثانوية ومتأخرة دائماً لا تجدي لن تمنع من حدوث الانفجار الكبير الذي سيطال مصالح الجميع من عراقيين وعرب وإقليميين ودوليين.