الرئيس الأميركي جورج بوش يريد تجنب الحقائق، ولا يريد الانخراط في الحوار. أخذ العلم، العبارة الماضية استعرناها من السيدة نانسي بيلوسي رئيسة مجلس النواب الأميركي، خلال حوار أجرته معها شبكة التلفزة الأميركية «ان.بي.سي» لذا اقتضى التنويه، كي لا يقال: إننا متحاملون على المستر بوش، وإن كنا قد سبقنا السيدة بيلوسي إلى استنتاج هذه الحقيقة التي ربما بدأت تصدم الأميركيين، ومنهم أعضاء في الكونغرس، يمثلون الحزبين الديمقراطي والجمهوري. ‏

وعبارة جميلة أخرى نود استعارتها من السيدة بيلوسي تقول: «بوش رئيس دولة وليس ملكاً»، وهو يريد «شيكات على بياض» إزاء سياساته الخارجية، وهذا أمر «لن يتم بعد الآن، لأن على الكونغرس مسؤولية تجاه الشعب الأميركي، وهو سيقوم بدوره في ممارسة المحاسبة على سياسات الرئيس بوش». ‏

هكذا بدت صورة إدارة بوش أمام المؤسسة البرلمانية الأميركية، وهكذا بدأت تظهر الحقائق لدى الشارع الأميركي، الذي جرى تضليله على مدى سنوات، وتخويفه من مخاطر جسيمة تهدده وتتهدد أمنه في الداخل، الأمر الذي يحتم على أركان الإدارة شن حروب استباقية على طواحين الهواء من أفغانستان إلى العراق، وها هي هذه الإدارة تفبرك الأكاذيب نفسها ضد إيران تارة، وضد سورية تارة أخرى و... ضد كل من يقف في وجه طموحات المحافظين الجدد، في الهيمنة والسيطرة على العالم أجمع، وتنفيذ «وصايا» التلمود، بتمكين الصهيونية العالمية من إقامة الدولة التوراتية الأسطورية لإسرائيل. ‏

ما أصبح واضحاً اليوم للأميركيين ـ وما كنا نؤكده على الدوام ـ أن بوش «يريد تجنب الحقائق»، ومن هنا يمكن تفسير تلك الحملة الشعواء التي شنها هو شخصياً وأركان إدارته، ضد السيدة بيلوسي وكل من زار دمشق، فالرئيس بوش ظنَّ نفسه ملكاً لا يجوز لأحد من «رعيته» الخروج على طاعته أو كسر إرادته والقيام بزيارة سورية، كي لا يكتشف الحقائق، وبالتالي أن ينقل هذه الحقائق إلى الأميركيين الذين كانوا يظنون أن إدارتهم مجبرة على شن الحروب للدفاع عنهم والحفاظ على أمنهم واستقرارهم وازدهارهم. ‏

لكن «الملك» لم يستطع فرض إرادته وإلزام أعضاء الكونغرس بأوامره الصارمة القاضية بعزل سورية وإغلاق كل بوابات ونوافذ الحوار معها، فقامت وفود أميركية عديدة بزيارات إلى سورية، وتمكنت من اكتشاف بعض الحقائق التي يتهرب منها بوش ويزوّرها لتأتي على نقيض ما هي عليه، فراحت ثلوج الأكاذيب بالذوبان، وبدت إدارة المحافظين عارية أمام الشعب الأميركي، حتى من ورقة التوت الأخيرة. ‏

وما يدعو إلى الضحك والسخرية المرة، أن بوش «وأركان حربه» راحوا يغرقون في أخطائهم وخطاياهم بدلاً من تصحيحها حرصاً على مصداقيتهم أمام الشعب الأميركي، وليس كرمى للحقائق ولا لوجه الله، أو من أجل عيون العرب. ‏

فبدلاً من الاعتراف «بوجود أخطاء» في السياسة الخارجية الأميركية ـ كأضعف الإيمان ـ سنت الإدارة الأميركية سكاكينها وخناجرها وانهالت على كل من قال كلمة حق طعناً وتمزيقاً. ‏

وبلغت وقاحة البيت الأبيض، الذي يحتله المحافظون الجدد، ولنقل: بلغت وقاحة الناطق بلسان هذا البيت حدَّ انتقاد السيدة بيلوسي لأنها أكدت «أن سورية تريد السلام»، فحتى مثل هذا التصريح الذي يستند إلى قناعة قائلته وإلى حقيقة الموقف السوري، صار تهمة تصل إلى حدِّ الجريمة التي يعاقب عليها قانون المحافظين الجدد وإدارة بوش المتصهينة. ‏

أليس غريباً أن تحاول إدارة بوش كم الأفواه حتى لأولئك الذين يمثلون الشعب الأميركي؟ وإذا كان الأمر كذلك، أفلا يكشف عن حقيقة هذه الإدارة القائمة على الكذب والخداع والتضليل؟ ثم ألا يقدم ذلك الدليل الساطع للأميركيين، على أن إدارتهم تسحب حق التعبير عن الرأي، حتى من أعضاء الكونغرس أنفسهم، المفترض أنهم ينتمون إلى مؤسسة ديمقراطية يباهي بها بوش ويفاخر؟. ‏

صحيح أن بوش «ليس ملكاً» كما قالت السيدة بيلوس، إلا أن ما يقوم به وما يمارسه من سياسات ومواقف وإرهاب فكري وسياسي وعسكري ضد معارضيه في الداخل والخارج على حدٍّ سواء، يجعل منه ملكاً، بل ديكتاتوراً متسلطاً على رقاب الشعوب وعلى رقاب الأميركيين أنفسهم، الذين يدفعون من أموالهم ودماء أبنائهم ثمناً باهظاً لقاء مغامرات هذا الديكتاتور الخارج على القانون الأميركي والقانون الدولي وعلى كل الأعراف والشرائع الأرضية والسماوية. ‏

من حسن الحظ أن هناك في الولايات المتحدة عقلاء لايزالون يؤمنون بالحوار بين الشعوب والحضارات ويقفون ضد «ملكهم» وأوهامه ومغامراته المجنونة، التي جلبت للعالم المزيد من الحروب والدمار والإرهاب، وجلبت للشعب الأميركي الكوارث والعار. ‏

اليوم، لاتزال الفرصة سانحة كي يصحو المستر بوش من سباته العميق، وأن يدرك المحافظون الجدد أنهم معزولون داخلياً ومنبوذون ومكروهون خارجياً، وأن يبادروا إلى الاعتراف بفشلهم وسقوط مشاريعهم الاستعمارية والأسطورية. ‏

لكننا واثقون إلى درجة اليقين أنهم لن يفعلوا، ولن يغيروا جلدهم، وهم غير قادرين على ذلك أصلاً.فمن امتهن الكذب والافتراء والحروب، يصعب عليه الصدق والعمل من أجل السلام، ويشعر «بالعار» إذا تخلى عن «إيمانه» حتى لو كان هذا الإيمان يقتصر على الكذب والخداع. ‏