في كل إخفاقاتنا السياسية نجتهد قدر استطاعتنا كمثقفين، وتجتهد النخب السياسية الحاكمة قدر ما تمنحها إياها قدراتها وأدواتها وعلى إحالة الإخفاق كله على الخارج، أميركا والغرب وإسرائيل والمتآمرون الذين لا يريدوننا أن نتقدم أو أن نتطور كي نظل سوقاً مستهلكاً لما ينتجون، وأرضاً منتجة لتدوير مصانعهم واستمرار حضارتهم، وشيئاً فشيئاً حولنا الأمر من مجرد تفكير تبريري عاجز، إلى قناعات فكرية تملأ حياتنا وتجعل الإخفاق والاحتلال والهزيمة والتخلف أموراً لها ما يبررها، وما يبرر استمرارها للأسف، وما يجعل قبولها أمراً مفروضاً، ورفضها خروجاً على المنطق!
الولايات المتحدة احتلت العراق، هذه حقيقة مثبتة على الأرض، نراها ونكتوي بتداعياتها كل لحظة، ولكن هل احتلال العراق وسقوط بغداد في أبريل 2003 حدث يمكن قراءته فقط من خلال مشهد جنود المارينز الأميركيين وهم يعبرون جسور وطرقات بغداد في ذلك اليوم الأليم على الذاكرة والعين العربية؟ نكون مبالغين في تبرئة أنفسنا وفي تبسيط الأحداث إذا قرأنا الأمر هكذا، ذلك أن بغداد احتلت لأن العرب فشلوا في منع وقوع هذا الحدث، احتلال بغداد هو تتويج طبيعي
وأليم لنصف قرن من السياسات اللاعقلانية واللامسؤولية للنخب العربية، الحاكمة والسياسية والمثقفة. احتلال بغداد كما يصفه ـ برهان غليون ـ برهان قاطع على إفلاس أنماط الحكم والإدارة وتسيير الأمور في المجتمعات العربية في مرحلة ما بعد الاستقلال لكنه الإعلان الأخطر والمدوي عن انتهاء المرحلة الوطنية ودخول العرب ـ مختارين أو مجبرين لا فرق ـ عصر العولمة كطرف مفعول به لا فاعل يمتلك الحد الأدنى على الأقل من الوعي والتأثير والرغبة في امتلاك إرادة السيادة.
بعد بغداد، الكل ينظر إلى لبنان، لأن كارثة أخرى ستحل بهذا البلد العربي لا تقل عن كارثة بغداد إذا بقيت نخبه الحاكمة والسياسية تتناحر يومياً وعلى الهواء مباشرة، وتتعاند يومياً، وتتبادل التهم كأنها تتبادل الأنخاب، إن ضيق الأفق السياسي وسيطرة مبدأ الإلغاء والإقصاء، وتغليب المصالح الشخصية والفئوية سيكون السلم الذي يقدمه أهل لبنان للخارج ليرتقي عليهم وعلى البلد، ساعتها سنلعن مع اللبنانيين الأميركان والإسرائيليين والمتآمرين وسننسى دورنا الرئيسي وفشلنا الحقيقي وسنعود مجدداً لنحتكم لنظرية المؤامرة، في استمرار واضح لتغييب العقل والتفكير المنطقي ومبدأ محاكمة الأسباب.
لدينا في العالم العربي، في كل دولنا، مؤشرات واضحة باتجاه التغيير، وإصلاح أنظمة الحكم، وتغيير منهجية تفكير النخب الحاكمة، وتنحية الأدوات العقيمة القديمة المتأسسة على فكرة الإلغاء والإقصاء والتهميش التي ولدت أجيالاً ترتعد من خيالها، أجيالاً كالأشباح تخاف ان تنتقد إعلاناً في جهاز التلفزيون حتى لا تحسب بأنها ضد الدولة وضد النظام، لأن الإعلان جاء من خلال شاشة تلفزيون حكومي.
المشكلة أن النخب العربية في كل قطاعات المجتمع العربي منشغلة إما بمعارك صغيرة جداً، وإما بمصالح تافهة جداً، ما يفوت عليها فرصة تاريخية بالقبض جيداً على ملامح تغيير تبدو واضحة في المشهد العربي.