بعد القمم العربية التي بدأت مسيرتها الدورية من «القاهرة» عام 64، والتي اختتمت أعمالها في المحطة المهمة في «الرياض» وعلى طول الطريق الممتد بين المحطتين الأولى والتاسعة عشرة، وصولا إلى المحطة العشرين المقبلة في «دمشق»، كان الملف الفلسطيني لايزال هو أبو الملفات، وقضية فلسطين هي أم القضايا، وكان الهدف المعلن لا يزال هو السعي لتحقيق «الوحدة العربية» على حد تعبير رئيس القمة الملك عبدالله بن عبد العزيز.
فحينما دعا الزعيم العربي الراحل جمال عبد الناصر القادة العرب إلى قمة القاهرة عام 64 لمواجهة المشاريع الإسرائيلية غير الشرعية للاستيلاء على مياه نهر الأردن أعلن في «بور سعيد» في ذكرى عيد النصر على العدوان الثلاثي أنها «من أجل فلسطين»، وكان الاستقطاب العربي حادا، والخلافات ملتهبة بل والحروب مشتعلة حينها، بين محورين لم يكن يبدو ممكنا أن يلتقيا، محور الثوريين بقيادة مصر ومحور المحافظين بقيادة السعودية.
لكن ما بدا غير ممكن أصبح «من أجل فلسطين» ممكنا، وحينما وصل الملك السعودي الراحل سعود بن عبد العزيز إلى مطار القاهرة كان أول ما قاله لعبد الناصر يؤكد أن ما يجمع الأشقاء هو أكبر بكثير مما يفرقهم وأن لقاء الأشقاء هو الممكن الوحيد حتى ولو كانت حربا عسكرية بينهما في جبال اليمن، مردداً بيتاً من الشعر يقول: وقد يجمع الله الشتيتين بعدما.. يظنان كل الظن ألا تلاقيا.
بل إن أول قمة عربية عقدت مع إنشاء الجامعة العربية وكانت في «أنشاص» المصرية عام 46 لمواجهة عمليات الهجرة الاستيطانية الصهيونية غير الشرعية برعاية بريطانيا كانت «من أجل فلسطين»، ووصفتها الصحافة بأنها «مباحثات الوحدة العربية» وفى هذا ما يؤكد أن الهدف الوحدوي العربي كان بعد تحقيق الاستقلال عن الاستعمار البريطاني والفرنسي هو محطة الوصول النهائية للعمل العربي المشترك، وما يجعل من فلسطين «بأقصاها المبارك» قضية العرب المحورية، بل وجامعة العرب والمسلمين.
وفى هذا ما يشير بوضوح إلى أن التلازم وثيق بين تحقيق الوحدة العربية والتضامن الإسلامي وبين تحرير فلسطين، إذ لا يمكن أن تتحرر فلسطين أو أن يتمكن العرب من حل جميع الملفات الإضافية كالعراق والصومال والسودان، أو حتى فرض السلام العادل والشامل القائم على تنفيذ القرارات الدولية بدون انتهاج طريق الوحدة العربية، واستهداف تحقيق التضامن الإسلامي.
وقد يبدو السؤال الشعبي منطقيا حين يتساءل المواطن العربي مستغربا وماذا حققت القمم العربية وصولا إلى هذين الهدفين الرئيسيين حتى اليوم برغم انعقاد 19قمة عادية و10طارئة تبحث وتصدر القرارات والإعلانات البليغة على مدى أكثر من ستة عقود منذ مؤتمر «أنشاص» وأربعة عقود على مؤتمر «القاهرة» ؟..
بل الأكثر مدعاة للقلق هو أن الذي كان مطروحا بإلحاح في قمة الرياض هو هدف العمل على منع إعادة تقسيم العرب ولمنع إعادة تقسيم المسلمين، فما زالت الملفات برغم كل النوايا الحسنة وبرغم ما أحرز من خطوات إيجابية على صعيد العمل العربي المشترك هي هي بل زادت، وما تزال الأزمات هي هي بل تعددت، وفى مواجهة ذلك كله تغيرت الأحوال من «صراع عربي ـ صهيوني» إلى «نزاع فلسطيني ـ إسرائيلي»، وتراجعت الأهداف من «تحرير فلسطين» إلى المطالبة «بدولة فلسطينية على خمس فلسطين» في مقابل اعتراف 19 دولة عربية إضافية بإسرائيل.. فهل هذا معقول أو مقبول؟!
ولعلي هنا لا أريد الخوض مع المتشائمين اليائسين بتكريس الشعور بالإحباط وفقدان الثقة بالنظام الرسمي العربي لدى المواطن العربي في أكثر من بلد عربي إذ يكفيه ما هو فيه من معاناة اقتصادية واجتماعية إضافة إلى همومه السياسية، بقدر ما أسعى مع المجتهدين لتشخيص ونقد الواقع العربي، بهدف الإشارة إلى ما يبدو ممكنا كي يستطيع الأداء العربي تجاوز حالة اليأس الحالية بالعمل بما يفتح أبواب الأمل والعبور ما هو فيه إلى ما يتطلع إليه، وفارق بين النقد والانتقاد.
وقد تكون قمة الرياض واحدة من أهم وأخطر القمم العربية وقد تكون واحدة من أنجح القمم العربية على حد تعبير الرئيس السوري بشار الأسد برغم ما بدا خلافا سبق القمة بين ليبيا والسعودية أضاف له الزعيم الليبي معمر القذافي بصراحة الرجال تخوفه مما كان يتخوف منه الشارع العربي من أن تأتى قرارات القمة استجابة للإملاءات الأميركية الساعية إلى تقسيم العرب بين موافقين لها وممانعين عزلا لسوريا، وتقسيم المسلمين بين شيعة وسنة عزلا لإيران، وبتحذيره من تحويل العدو الإسرائيلي إلى صديق وتحويل الشقيق الإيراني إلى عدو.
وصحيح أن قمة الرياض رفضت الإملاءات الأميركية الداعية إلى تعديل مبادرة السلام العربية، وصحيح أنها احتضنت سوريا وقررت عقد اللقاء القادم في دمشق وعارضت أي عمل عسكري ضد إيران بسبب الملف النووي مشيرة إلى حق جميع الدول بما فيها الدول العربية في امتلاك الطاقة النووية للأغراض السلمية، وأعلنت معارضتها لامتلاك الأسلحة النووية لجميع الدول بما فيها إسرائيل،
ويكفي أن ما أعلنه العاهل السعودي في أبلغ خطاب رسمي عربي في افتتاح القمة بدد الكثير من المخاوف ومارس بشجاعة الرجال نقدا للذات محملا القادة العرب مسؤولية الشعور بالإحباط وعدم الثقة من المواطنين العرب في القمم العربية، ومدينا للاحتلال الأميركي غير المشروع للعراق، وداعيا العرب إلى عدم التراخي في الوقوف إلى جانب الصومال ضد الاحتلال الإثيوبي والسودان ضد التدخل الأميركي، مشيرا إلى ضرورة «الوحدة العربية» وتعزيز التضامن العربي الإسلامي وفتح صفحة جديدة من الأخوة والمحبة والثقة بين الأخ وأخيه للقدرة على مواجهة التحديات المحيطة بأمتنا.
وصحيح أن الخطاب كان في حد ذاته مبادرة غير مسبوقة من رئيس عربي أثلج صدر كل عربي وجاء مع ما سبقه من جهود على الصعيد الفلسطيني واللبناني والعراقي والإيراني بمثابة تمهيد لمبادرة عربية جديدة لإًصلاح ذات البين بين الأشقاء العرب والعرب والأشقاء العرب والمسلمين بهدف استعادة للإرادة العربية المستقلة والقادرة على الفعل ولفتح الصفحة الجديدة المطلوبة ليكون القرار عربيا لا شرقيا ولا غربيا.
وصحيح أيضا أ ن الرئيس السابق للقمة العربي الرئيس السوداني عمر البشير أكد تصميمه على رفض التدخلات الأميركية ودعا إلى موقف عربي رافضا محاولات فرض الهيمنة في الشؤون العربية والسودانية، وأن الرئيس المصري حسنى مبارك حذر من خطورة إضعاف قوة العمل العربي المشترك، ومن محاولات تقسيم الأمة الإسلامية بين سنة وشيعة..
صحيح كل هذه التصريحات القوية والواعية، ولكن الصحيح أيضا أن تمسك العرب منذ خمس سنوات وقوفا وراء مبادرة للسلام دون حركة إضافية إلى الأمام بالضغط لقبولها وضمان تطبيقها في مدى زمني محدد مع تلويح ببدائل مدروسة ومعلنة يتم الاتفاق عليها والإعداد لها في حالة الرفض يعد تراجعا وإضاعة للوقت ولفرص الفعل بينما إسرائيل خلال الخمس سنوات تواصل العدوان وتقيم الجدار العازل وتهود القدس وتبنى المستوطنات وترفض مجرد التفاوض مع السلطة الفلسطينية بينما رفضت المبادرة وعارضتها أميركا وتجاهلتها أوروبا.
وصحيح أيضا أن التمسك بالمبادرة دون تعديل لم تغلق الباب للتفاوض حولها بتشكيل لجنة من «المعتدلين العرب» لإقناع مجلس الأمن الخاضع لأميركا بها، وبالحديث عن مساعي ما وصف ب«ا للجنة الرباعية العربية»، الوثيقة الصلة بواشنطن وتل أبيب بها «لإقناع إسرائيل بها»، والصحيح كذلك أن المشكلة كانت في أن الأقوال بقيت دائما أقوى من الأفعال، وأن القرارات التي اتخذت أو الاتفاقيات التي وقعت ظلت في معظمها إما حبرا على ورق وإما انتقائية التطبيق وإما بطيئة التنفيذ إذ بقيت الإرادة السياسية العربية غير حريصة على تحقيقها. ونأمل بعد قمة الرياض وفى قمة دمشق أن نسمع تقريرا عن تحقيقها بعد تشكيل لجان المتابعة.
لكن تبقى المبادرة المطلوبة والممكنة هي في اتجاه إصلاح العلاقات العربية العربية، وتنظيم آليات النظام العربي الرسمي بما يوفر جو الثقة والمشاركة دون محاور مصطنعة تضع بعض العرب في مقابل بعض العرب، وتفقد ثقة بعض العرب في كل العرب، بينما المطلوب أن يكون كل العرب مع كل العرب معتدلين ومقاومين، لبناء الديمقراطية الاقتصادية والاجتماعية قبل الديمقراطية السياسية وتوفير ضمانات حقوق الإنسان العربي،
وذلك للقدرة على مواجهة إملاءات ومؤامرات حلفاء إسرائيل من غير العرب، وبإصلاح آلية التمثيل العربي أمام المنظمات والقوى الدولية المختلفة تحت مظلة الجامعة العربية بألا يمثل النظام العربي رسميا للحديث أو للتفاوض باسم العرب إلا «الثلاثية العربية» التي تضم رئيس القمة الحالية ورئيس القمة السابقة ورئيس القمة القادمة بحضور الأمين العام للجامعة، وليس ثمانية تختار نفسها ولا رباعية تختارها أميركا.
فهذا وحده ما يحقق التواصل ووحدة العمل العربي ويلغى المحاور التي تعرقل العمل وتشتت الجهد، وأن تتمتع الترويكا الإسلامية بالعضوية المؤقتة للجامعة العربية بصفة مراقب وتتناوب الدول الثلاث الإسلامية الممثلة للقمة الإسلامية تحقيقا للتواصل والمشاركة وتعزيزا للتكامل العربي الإسلامي.
كما تبقى المبادرة المطلوبة والممكنة هي في اتجاه تصحيح العلاقة مع الشرعية الدولية برفض الانتقائية والجزئية في تطبيقها، وذلك بمطالبة مجلس الأمن الدولي بجدولة قراراته وقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن القضية الفلسطينية، وتطبيقها حسب أسبقية صدورها بدءاً من القرار 181 بتقسيم فلسطين والقرار 194بشأن حق العودة للاجئين وانتهاء بالقرارات 242 و338 و425 القاضية بانسحاب إسرائيل من الأراضي العربية في فلسطين والجولان وجنوب لبنان التي احتلتها عام 67 بما فيها القدس.
كاتب مصري
mamdoh77t@hotmai.com