الأسرار التي كشف عنها الفريق أول سيف الدين الراوي، قائد الحرس الجمهوري العراقي السابق، خلال الحرب الأميركية البريطانية على العراق وحتى سقوط بغداد، تستحق الدراسة، فالرجل تحدث على مدى حلقتين في قناة «الجزيرة» وقال الكثير، لكن أهم ما قاله ـ في ظني ـ هو استخدام الأميركيين للقنابل النيوترونية خلال معركة المطار، تلك المعركة التي كانت هزيمة العراقيين فيها، بداية احتلال بغداد وسقوط النظام وانهياره تماما.

كشف الراوي ان الأميركيين فشلوا على مدى أيام في تحقيق أي انتصار خلال معركة المطار، مما حدا بهم أمام هذا الفشل إلى حسم المعركة باستخدام القنابل النيوترونية، تلك القنابل التي تعد أحد أنواع الأسلحة النووية، لكنها تختلف عن القنبلة النووية في أنها تقتل البشر وتبقي على الجماد.

وقد جرى الحديث عن هذه القنبلة لأول مرة في عهد الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر، وتزامن ذلك مع تكوين قوة التدخل الأميركي السريع «دلتا فورس» وكانت مهمتها التدخل في مناطق انتاج النفط والاستيلاء عليها، وذلك في أعقاب استخدام العرب لسلاح النفط إبان حرب أكتوبر 1973، أي أنها قنبلة أنتجت خصيصا من أجل العرب،

وكان أول انتاج فعلي لها في عهد الرئيس الأميركي رونالد ريجان. ويقال إن مخترعها هو العالم سامويل كوهين أحد الذين شاركوا في اختراع وانتاج القنبلتين النوويتين الأميركيتين اللتين ألقيتا على هيروشيما ونجازاكي اليابانيتين خلال العام 1945، وقد اشرف على انتاج نحو سبعمئة قنبلة نيوترونية في عهد ريجان.

وتعد هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها استخدام القنبلة النيوترونية في تاريخ البشرية. وهذا يعني ان الولايات المتحدة لا تتردد مطلقا في استخدام ما لديها من أسلحة دمار شامل أيا كان نوعها من اجل تحقيق مصالحها وأهدافها الإستراتيجية ،دون أي اعتبار لأرواح البشر، ومن ثم فليس حقيقيا ما تروج له من أنها تحتفظ بترسانتها النووية للردع فقط.

فهذه الترسانة المدمرة «النووية والنيوترونية» استخدمت بالفعل ضد اليابان، ثم ضد العراق وربما تم استخدامها في افغانستان، دون ان ندري بذلك بعد. ومن الغريب والعجيب ان تستخدم أميركا أسلحة الدمار الشامل النيوترونية في الوقت الذي كانت تزعم فيه كذبا ان العراق لديه أسلحة دمار شامل تهددها.. ويا للمفارقة.

هذا الإجرام الأميركي خلال الحرب على العراق يشير بوضوح بأنه لا رادع لدى أميركا من عدم استخدام أسلحتها المدمرة المحرمة دوليا في المستقبل ضد اي دولة او قوة او جماعة، ترى فيها معطلة لمشروعها واهدافها الاستراتيجية في السيطرة على العالم، ولا يهم ان كان هذا الطرف او ذاك لا يمتلك اسلحة دمار شامل، وهو ما يضع جميع جيوش العالم الثالث، ومنها جيوشنا العربية في مأزق استراتيجي، لانها تصبح مكشوفة استراتيجيا امام اسلحة التدمير الشامل الاميركية والاسرائيلية، خاصة في ظل عدم وجود رادع قانوني أو أخلاقي لدى إسرائيل، أيضاً في استخدام السلاح النووي أو النيوتروني.

ولقد سبق خلال حرب أكتوبر 1973 أن لوحت إسرائيل باستخدام السلاح النووي ضد مصر وسوريا، لكن إرسال الاتحاد السوفييتي لسفينة عسكرية مزودة بالأسلحة النووية لترابط في ميناء الإسكندرية، ساهم في تعزيز قوة مصر، وحيد السلاح النووي الإسرائيلي خلال الحرب وغل يدها عن استخدامه، يضاف إلى ذلك تهديدات أفيجدور ليبرمان نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي، فقد سبق وهدد قبل سنوات بقصف السد العالي بالسلاح النووي، وهو ما لا يمكن أخذه إلا بجدية كبيرة.

اليوم.. لم يعد الاتحاد السوفييتي موجوداً لانقاذ العرب، وفي الوقت ذاته لايوجد كابح أو رادع يمنع إسرائيل من تكرار تهديداتها، خاصة بعد ما أعلن ايهود أولمرت رئيس الوزراء الإسرائيلي علنا قبل اسابيع في ألمانيا عن امتلاك إسرائيل للسلاح النووي، إذ تشير كثير من تصريحات المسؤولين الإسرائيليين الى الإعداد لجولة جديدة من الحرب على لبنان وربما ضد سوريا، دون أن يخفوا تلمظهم بمصر.

أمام هذا المشهد السوداوي فمن حق العرب السعي لامتلاك السلاح النووي واعتباره كالماء والهواء، فهو ضروري لأمنهم القومي ولاستمرار حياتهم، وضروري ايضا لحماية أراضيهم من الاحتلال ومدنهم من الاجتياح، فليس من الحكمة ترك إسرائيل تنفرد بامتلاك السلاح النووي والنيوتروني، مع ترك الجيوش العربية بلا غطاء مماثل.

لقد كان هناك خلال الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي مبدأ دولي يقضي بعدم استخدام السلاح النووي ضد أي دولة غير نووية، لكن مع انفراد أميركا بالعالم سقط هذا المبدأ من جانب كل الدول النووية التي منحت نفسها حق توجيه ضربات نووية في مواجهة أية تهديدات استراتيجية لأمنها القومي. هذا ما أعلنته إسرائيل في «الخيار شمشون»، وأعلنته أميركا منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وأعلنته أيضاً روسيا منذ الحرب الثانية في الشيشان، وهددت به أيضاً فرنسا ضد الهجمات التي تعتبرها إرهابية.

وإذا كان بعض العرب يتخوفون من البرنامج النووي الإيراني، فأولى بهم أن يتخوفوا أكثر من السلاح النووي الإسرائيلي، مع العلم أن مشروع إيران النووي يجب أن يكون محفزاً للعرب لامتلاك مشروعهم وسلاحهم النووي وليس العكس.

ليس مهماً ما تفعله إيران، لكن المهم ماذا نفعل نحن العرب؟ لأن الخطر الحقيقي يكمن في التهديد، بل الاستخدام النووي والنيوتروني الأميركي والإسرائيلي ضدنا، كما ثبت من معركة مطار بغداد، ومن التهديدات الإسرائيلية المتتالية، كما أن أميركا وإسرائيل هما من تحتلان العراق وفلسطين وتقتلان أبناء الشعبين بلا توقف.

لقد صار السلاح النووي لنا جميعاً ـ نحن العرب ـ ضرورة لا تتم التنمية إلا به ولا تحمى الأوطان إلا بواسطته، وبغيره سنظل نتجرع المهانة، فهو لازم للعيش بكرامة وأمان. ونماذج باكستان والهند وكوريا الشمالية أمثلة حية. فالعالم لا يحكمه سوى قانون الغاب يقتل فيه القوي الضعيف ويحرقه بالقنابل النووية والنيوترونية. وما جرى في معركة مطار بغداد عظة لنا وعبرة في الذكرى الرابعة لاحتلال العراق.