ماذا يعني أن يكون المرء أوروبيا اليوم؟ وماذا تعني عبارة «أنا أوروبي» عندما يقولها فرنسي أو ألماني أو انجليزي أو سويدي؟. ليست هناك إجابة واحدة، بل إجابات متعددة بالتأكيد، المدلول الأول الذي يتبادر للذهن يشير إلى انتماء جغرافي وليس إلى انتماء «هوية».
هناك عشرات الكتب وآلاف المقالات والحلقات الدراسية في الجامعات ومراكز البحث. تعالج كلها موضوعا واحدا هو «الهوية الأوروبية». رغم هذا كله لا تزال هذه الهوية «غامضة المعالم» ولا تزال الآراء تتباين حول حدود وطبيعة البناء الأوروبي المشترك فيما يخص مسألة الهوية تحديدا. إنها المسألة الجوهرية التي تتبلور حولها رؤية المستقبل الأوروبي كله.
ولعلّه من المفيد التذكير في هذا السياق ببعض توجهات البلدان الأعضاء في الاتحاد الأوروبي حيال الهوية الأوروبية. الايرلنديون مثلا من أكثر المتحمسين لدفعها حتى الحدود القصوى، وذلك ربما على خلفية واقع أن «هويتهم الوطنية» ليست ذات جذور عميقة كما تردد تحليلات كثيرة. والاسبان على مختلف مشاربهم السياسية يذهبون في نفس الاتجاه، كما دلّ تأييدهم الساحق لمشروع الدستور الأوروبي بينما رفض الفرنسيون والهولنديون هذا المشروع عبر استفتاءين شعبيين عام 2005.
وفي هاتين الحالتين تتراوح التوجهات بين مؤيد ل«هوية أوروبية» تتجاوز السيادة الوطنية ومؤيد لها إنما مع التأكيد على السيادة الوطنية ومؤيد للسيادة الوطنية ضد أية هوية أوروبية. البريطانيون موزعون، مثلما هو حال بقية الأوروبيين بنظرتهم لهم، بين من يرى أن انعزال بريطانيا عن القارة هو مجرّد «واقعة جغرافية» لا أثر لها على انتماء «الجزيرة» للقارة وبين من يرى أن «التاريخ» هو الذي أبعد بريطانيا عن القارّة.
ليس جغرافيا بالطبع وإنما على صعيد الانتماء. الاسكندنافيون يشكّلون حالة خاصة لها جذورها العميقة التي تعود إلى «أجدادهم» من الفايكنغ، ومثلهم تتلفّت أنظارهم نحو المحيط والشمال والشرق وليس نحو الجنوب -الأسفل ـ ، وبالتالي لهم تعريفهم «الخاص» للهوية الأوروبية. أمّا أوروبيو وسط القارة وشرقها من الذين انضووا حديثا في إطار الاتحاد الأوروبي فلعلّ منطق «المنفعة» هو الذي يحكم علاقتهم بالبناء الأوروبي المشترك. وهذا ما عبّر عنه بصراحة الرئيس البولندي نفسه عندما قال أمام زملائه من قادة بلدان الاتحاد: «من الطبيعي أن يدافع كل بلد عن النظام الأنسب له».
مع هذا كله، ورغم هذا كله، من التسرع القول أنه ليس هناك «هوية أوروبية» ومن المجازفة التأكيد «أنها قائمة ثابتة الأركان وواضحة المعالم»، ما يمكن قوله هو أن «الهوية الأوروبية» مشروع يختمر. تتباين الآراء حوله. تتفاعل. تتناقض احيانا.
ورشة عمل تقيم أسسا لما سيكون عليه البناء غدا. وفي المحصلة تتعزز مسيرة التوحيد الأوروبي عبر الممارسة اليومية ل«أوروبا» التي تجمع 450 مليون نسمة تقريبا كما تجمع أمما صغيرة وكبيرة هي بصدد بلورة «مشروع سياسي» مشترك. وتتعمق بنفس الوقت أكثر فأكثر فكرة أن التكامل الأوروبي هو «ورقة رابحة» في مواجهة التحديات التي تطرحها العولمة واقتصاد السوق وآليات المنافسة، لاسيما في عالم تتعزز فيه الكيانات الإقليمية.وهذا ما عبّرت عنه المستشارة الألمانية انجيلا ميركل عندما قالت مؤخرا في برلين:«نعرف جميعا أن هذا هو مستقبلنا المشترك».
بالتوازي مع هذا كله يتعمق أيضاً نوع من الإحساس بالانتماء المزدوج. انتماء «أوروبي» جامع وانتماء «محلّي» خاص. وعلى سبيل المثال دلّ استطلاع للرأي منذ فترة قريبة في فرنسا - التي رفضت باستفتاء شعبي يوم 29 مايو 2005 مشروع الدستور الأوروبي أن سبعة فرنسيين من أصل كل عشرة قد عبّروا عن «اعتزازهم» بالانتماء إلى أوروبا وأن 91 بالمائة من مجموع الفرنسيين يعبّرون عن «اعتزازهم» بالانتماء إلى فرنسا.
هكذا تبرز عبقرية الشعوب عندما تصيغ، أو تثبت، قيما تأسيسية قادرة على أن تصبح فيما بعد «إرثا مشتركا». وعبر هذه الدينامية ذاتها تتم صياغة شخصية جديدة «من الداخل». الشعوب الأوروبية المندمجة اليوم، إلى هذه الدرجة أو تلك، في «ورشة» التأسيس لبلورة «هوية أوروبية»، هي نفسها التي أوغلت ببعضها البعض تقتيلا وتنكيلا وسفك دماء في الأمس البعيد والقريب أيضا.
وهي التي وقفت بعد مجزرة الحرب العالمية الثانية مع نفسها ومع التاريخ كي تبحث عمّا يمكن أن يكون «إرثا مشتركا»، لتدفعه إلى الأمام كمصد يدرء عنها أخطار المستقبل وتكرار المجازر. بل وحاولت أن تبحث عن مرجعيات تاريخية «جرمانية رومانية» بعيدة وواهية في حقيقة الأمر بالنسبة لبلدان تمازجت لدى شعوبها حضارات وثقافات ومعتقدات وتعاقبت عليها غزوات وهجرات.
لكن «إذا كانت الأسطورة أجمل من الواقع فلتتمسك إذن بالأسطورة» كما قال ذات يوم بول فاليري. كإشارة سريعة لا تحدد أوروبا نفسها بأنها «مسيحية»، لكن هذا لا يمنع الكثيرين من تأكيد هذا «الجذر».على العكس تؤكد على «الجذر الثقافي» إذ نصّ البند128 من معاهدة «مستريخت» انه من واجب الاتحاد المساهمة في «ازدهار ثقافات الدول الأعضاء في إطار احترام تنوعها الوطني والإقليمي مع التأكيد على الارث الثقافي المشترك»
تبقى المشكلة الحقيقية التي تعاني منها «الهوية الأوروبية» هي المواجهة التي «تخوضها» مع الهويات الوطنية لمختلف البلدان المعنية بها. إذ مهما قيل عن درجة اكتمالها، فإن الواقع يؤكد على وجود تنوع مقابل وحدة وتباينات مقابل تشابهات، ويبقى من العسير، إن لم يكن من المستحيل، تحديد معالم وسمات الهوية الأوروبية بدقة. ويبقى سؤال: «ما هي أوروبا؟ قائما.فهل أوروبا مجال جغرافي أم نموذج حضاري؟ سوق مشتركة أم مشروع سياسي؟ واقع تاريخي جديد أم مفهوم فلسفي؟
إنها في الواقع خليط من هذا كله. ذلك أنها، مثل التاريخ نفسه، تتشكل وتتطور وتزداد غنًى ومصداقية وتكتسب عبر مسيرتها ملامح جديدة. ليس هناك «أصل» و«تقليد» وإنما علاقة عضوية مثل جذع وفرع، كلاهما «أصلي».
الهوية، مثل التاريخ. منفتحة متطورة. لا تتوقف ولا تنتهي... ولا تبقى أسيرة رؤية محددة، مرّة واحدة وإلى الأبد. فالعلاقة مع العالم تتبدل والعالم نفسه يتبدّل... ونحن نتبدّل... كلنا كان له التزاماته وآراءه... وكنّا «نغيّر» العالم على هوانا في غرفنا المغلقة دون معرفة ما كان يجري في الخارج. كان ذلك هو حلمنا، لكن تكشّف على أنه كان وهمنا... الأحلام قد تتحقق أما الأوهام فتذروها الرياح.
وإذا كان من الصعب اليوم الحديث عن «هوية أوروبية» مكتملة، فلعله يمكن القول بوجود «مرجعية أوروبية» تقوم على أساس «تعايش هويات وطنية» متعددة. لكنها هويات «تتثاقف» فيما بينها وتتفاعل وتعطي نبتات صغيرة... قد تصبح أشجارا باسقة غدا. وسؤال «يحتل رأسي» وأنا أكتب عن الهوية الأوروبية، فلأجازف وأطرحه: ما معنى أن يكون المرء عربيا اليوم؟ وغدا؟!. موضوع للنقاش لكن دون أية أحكام مسبقة ومصادرة للرأي.
كاتب سوري ـ باريس