جاءتني فكرة كتابة هذا المقال وأنا في الأجواء ما بين عاصمة (دار زايد) أبوظبي متجهة إلى مطار بانكوك في رحله علاجيه فتذكرت بعضاً من المواقف التي تعرضت لها خلال سفراتي المختلفة. من أجمل الألعاب التي حرصت على اقتنائها لعبة الطائرة التي تمشي وتنزل من درجها المضيفة بلباسها الأزرق الفاتح بعد وقوفها، وكنت أفرح بلعبة الطائرة أكثر من لعبة (العرائس) التي تحرص البنات على اللعب بها وكانت من أجمل اللحظات التي أتذكرها هي عند ذهابنا أنا ووالدي بالقرب من مطار الكويت لمراقبة حركة الطائرات في الصعود والهبوط.

أول تجربة لي في رحلات الطيران بطفولتي من الكويت للشارقة أو دبي سنويا في أواخر الستينات وأوائل السبعينات من القرن الماضي وعبر شركة الخطوط الجوية الكويتية أو طيرن الخليج، وأذكر أن أغلبها كانت طائرات ذات مراوح في مقدمتها وكانت الرحلة تمثل لي تجربة جميلة استمتع بها من بدء الصعود وحتى الهبوط فتبقى بذاكرتي كطفلة أحلم بها كل عام وترتبط عندي كلما شاهدت أغنية الفنان الكويتي القدير عبد الكريم عبدالقادر المصورة وهو جالس بالقرب من نافذة الطائرة (أنا رديت لعيونج وأنا رديت... ولج حنيت مثل ما يحن حمام البيت... احبج حب يا روحي ما حبه ابد إنسان)

وأول رحلة لي دون الأهل وهي من التجارب التي لن أنساها، رحلة فريق المرشدات في يناير 1980م لمدة 13 يوماً وعبر مطار دبي بطيران عالية لزيارة المملكة الأردنية الهاشمية.

وتنوعت الرحلات ما بين السياحية والدراسية والعلاجية والعمل وما بين رحلات طويلة وقصيرة وخلال مختلف فصول السنة، ركبنا طائرات بأحجام مختلفة بدءاً من 50 راكباً وحتى 400 وذات طابق وطابقين، طائرات نزلنا من خلفها وأخرى بخراطيم أو الدرج وركبنا كافة الدرجات من السياحية إلى رجال الأعمال والأولى، وكل له خصوصيته وكلما تدرجت للأعلى شعرت بالفرق للأفضل.

قد تصادف أشخاصاً من كافة الجنسيات وتتعرف على أحدهم وتستمر طوال الرحلة أو حسب المعرفة أو تواجه حالات إنسانية من مرضى وذوى احتياجات وكبار السن في حاجة إلى رعاية، وأطفالاً يعانون الألم من ضغط الطائرة أو أحد الركاب المزعجين الذي يتحرك بكثرة ويهز الكراسي التي أمامه أو من حوله، وتقابل أصحاب أعمال مختلفة من طلبة وسياح وخبراء وفنانين ولاعبين وإعلاميين.

أول مقلب تعرضت له كان على الطيران الإفريقي في رحله من مومباي إلى كراتشي ووصلنا الفجر ونزلنا المطار للترانزيت وتفاجئنا أن الحمامات مغلقه ثم ركبنا طيران الخليج للعودة للشارقة ولم تقلع الطائرة لمدة ثلاث ساعات بسبب عدم إغلاق باب الأمتعة.

وفى أول رحلة لي لعاصمة الضباب لندن على الطيران السنغافوري هبطت ترانزيت بمطار زيورخ بسويسرا خمس ساعات ولم تقلع بسبب الإضراب العام بمطارات بريطانيا وبعد أن أقلعت ووصلت لمطار هيثرو تلقت الأوامر بعدم الهبوط بسبب استمرار الإضراب وبقيت معلقة ما بين السماء والأرض تدور من لندن حتى اسكتلندا فاستغرقت الرحلة من دبي إلى لندن 18 ساعة.

وتعتبر المطارات البريطانية من أكثر المطارات التي تعرضنا فيها للتأخير بسبب ما تشهده من إضرابات عمالية. وفى إحدى سفراتنا الصيفية للعاصمة الأردنية عمان قررنا أن نسافر إلى القاهرة وعند وصولنا فوجئنا بضياع الحقيبة التي تحمل كافة مستلزماتنا. وفي عام 1993 سافرنا للعلاج للعاصمة التجارية الهندية مومباي، صادف ليلة سفرنا للعودة تعرض البلاد لزلزال قوة بلغت شدته 5, 6 على مقياس رختر فقررنا الذهاب للمطار قبل الوقت والى أن صعدنا الطائرة ونحن نشعر بالهزات الارتدادية.

وفي صيف عام 1997 وخلال الاستعداد للعودة للوطن من مطار شارل ديجول بباريس وفى صالة الانتظار شعرنا بحركة سريعة وإخراج الركاب من الصالة بسبب وجود حقيبة ارتاب بها الأمن فتم إخلاء المكان وتفجيرها لمعرفة ما بداخلها.

وبعد مشاركتنا في منتدى (المرأة والنزاعات المسلحة) ببيروت مارس 2003 كانت الظروف المناخية سيئة بالإمارات بسبب الضباب الكثيف فأخذت الطائرة تدور ما بين دبي والدوحة لمدة ساعة ونصف الساعة والكل ينظر لخريطة الطائرة ويترقب القرار حتى تحسنت الأجواء وهبطت بسلام بعد أن عاش من ينتظرنا ساعات من الخوف والرعب.

وأهم ما في السفر دخولك للمطار ولحظة الاستقبال فقد تستقبل بالهدايا والورود والابتسامة الترحيبية أو بما أننا عرب قد نكون شبهة أو في نظر البعض إرهابيين أو أشكالنا مريبة إذا كانت معنا إحدى السيدات الكبار في السن ولابسة (البرقع) فتلفت النظر بينما تم استقبالنا في بعض السفرات ذات المهمات الرسمية على أساس ملوك ووزراء. وأكثر رحلة ركبت فيها طائرات كانت خلال مشاركتي بإحدى الدورات بالولايات المتحدة الأميركية في مايو 2004 لمدة شهر 9 طائرات من أقصى شرق القارة إلى غربها.

وأجمل ما في الرحلات رحلة العودة للديار بكل لهفة وتزداد ضربات قلبك كلما اقتربت الطائرة من الهبوط وأنت تنظر من النافذة لمدينتك وتشاهد أهم معالمها وربما منزلك أو مقر عملك وتشعر براحة عند دخولك من أهم مطارات العالم لتمضي فيه دقائق معدودة لتخرج بعدها وتحكي لأهلك وأصدقائك عن رحلتك. وبالرغم من المواقف التي تتعرض لها ولكن يبقى لكل رحله نكهتها وتبقى حركة الطائرات في صعودها وهبوطها من أجمل اللحظات التي ما زلت استمتع بها منذ طفولتي وحتى الآن. وإن كان حلم الطيران يراودني باستمرار فسوف يبقى احد أهم أهدافي بعد التقاعد لأجوب العالم دون ارتباطات.

كاتبة إماراتية