المقر الجديد لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في العاصمة الأثيوبية أديس أبابا عمارة من ثمانية طوابق. والمغزى هو أن أثيوبيا أصبحت مركزاً إقليمياً لنشاط استخباراتي أميركي يغطي أفريقيا جنوب الصحراء بأكملها في إطار «مكافحة الإرهاب».
من هذا المنظور العريض نستطيع أن نفهم طبيعة التدخل العسكري الأثيوبي في الصومال من أجل كسر شوكة تنظيم «المحاكم الإسلامية». فأثيوبيا تشن حرباً بالوكالة تمتزج فيها الأجندة الأثيوبية التقليدية التاريخية تجاه الصومال مع الأجندة الأميركية التي تحمل عنوان «الحرب على الإرهاب» كناية عن صد المد الإسلامي في القارة الأفريقية. ومما يعزز التطابق بين الأجندتين أن أثيوبيا بقعة مسيحية كبرى في محيط إسلامي.
عدا أثيوبيا والولايات المتحدة هناك لاعبون اساسيون آخرون في الحلبة الصومالية يؤدون أدواراً بتكليف من واشنطن. وأبرز هؤلاء اللاعبين كينيا التي تناضل فيها أقلية إسلامية من أجل إثبات وجودها السياسي ويوغندا يوري موسيفيني الذي يعتبر الابن المدلل لجماعات «الإنجيليين الصهاينة» (هكذا يسمون أنفسهم) في الولايات المتحدة.
وبالطبع هناك أيضاً الحكومة الصومالية المؤقتة التي تعتبر «حكومة» من قبيل المجاز، فهي في حقيقة الأمر ليست سوى واجهة تتكون من وزراء لدى كل منهم حساب مصرفي شخصي في نيروبي ،تغذيه تحويلات منتظمة من السفارة الأميركية. هذا على الأقل ما يرد عن مراسلي الصحف الغربية في العاصمة الكينية.
الحرب الأميركية على المد الإسلامي باسم «مكافحة الإرهاب» لا تقتصر على القرن الأفريقي أو منطقة شرق أفريقيا، فالهجوم على الإسلاميين في الصومال يقع ضمن مخطط أميركي يشمل ما يطلق عليه «الحزام الأفريقي الإسلامي» الذي يمتد جغرافياً وثقافياً من موريتانيا والسنغال غرباً إلى السودان شرقاً عبوراً بغينيا وبوركينا فاسو وبينين ومالي والنيجر ونيجيريا وتشاد والصومال وجيبوتي. في ساحل المحيط الأطلسي إلى ساحل البحر الأحمر والمحيط الهندي تنتشر على مدى هذه المساحة الأسطورية شعوب يجمع بينها التجاوب مع نداء الأذان والتوجه صوب الكعبة.
حصار الإسلاميين في الصومال هو إذن حلقة ضمن مسلسل طويل المدى. فقد أصبح في غالبية بلدان الحزام الإسلامي الأفريقي وجود عسكري أميركي لقمع حركات إسلامية راديكالية في مهدها على أن يكون المقر المركزي لوضع وتنفيذ السيناريوهات في أديس أبابا.
لكن الطبقة الحاكمة في أثيوبيا تركب مخاطرة جسيمة بدخولها الحرب ضد المد الإسلامي في أفريقيا. فهي بذلك تستفز مشاعر المسلمين داخل أثيوبيا نفسها الذي يشكلون نصف السكان. ورويداً ستكون أثيوبيا «إسرائيل» إفريقيا في نظر الشعوب الإسلامية في الجوار الجغرافي المحيط بها. وعلى الطبقة الحاكمة المسيحية في أديس أبابا أن تذكر نفسها أن تنظيم «المحاكم الإسلامية» في الصومال هو المعادل الأفريقي لكل من «حماس» الفلسطينية و«حزب الله» اللبناني.