قبل أربع سنوات سقطت عاصمة الرشيد تحت سنابك الدبابات الأميركية. ومن قال باستحالة سقوطها؟! وهل تصمد الشجاعة والبسالة أمام جحافل البوارج وحاملات الطائرات والصواريخ العابرة للقارات والقنابل الذكية على عكس الذين أعطوا أمر إلقائها على العزّل؟
سقطت بغداد، ولم تكن العاصمة العربية الأولى التي تسقط تحت الاحتلال الأجنبي عبر عصور، ولا حتى في العصر الحديث، قبلها سقطت عواصم المشرق العربي تحت الاحتلال الغربي الفرنسي ـ البريطاني في بدايات القرن العشرين، وسقطت بيروت عام 1982 تحت الاحتلال الاسرائيلي.. و.. والتاريخ حافل بسقوط العواصم العربية وغير العربية، لكنه بالمقابل حافل بالبطولات والنضالات التي أثمرت استقلالاً وحرية، وكان العرب يقولون: إن للباطل جولة..
نحن نؤمن بالشعوب وإرادتها في التحرر والسيادة، وأن الاحتلال إلى زوال مهما طال الزمن واستطال، فهذه سنة الحياة الممهورة بخاتم الشعوب المناضلة، ولا نظن أن دولة في الأرض، مهما امتلكت من عناصر القوة والجبروت، ومن ترسانات الأسلحة التقليدية وغير التقليدية قادرة على الصمود في وجه إرادة الحرية والاستقلال.
أربع سنوات مضت عاشها العراقيون على جمر ونار، وسالت دماؤهم أنهاراً، ولاتزال، ونهبت ثرواتهم وآثارهم وشردوا من أرضهم وبلدهم، وفعل الاحتلال في هذه السنوات ما قد تفعله الزلازل والبراكين والأعاصير، لكن المحتلين بقوتهم الجبارة، وبأسلحتهم المدمرة لم يستطيعوا كسر إرادة الشعب العراقي الذي أقسم على المقاومة والتصدي حتى يندحر المحتلون ويعود علم الحرية مرفرفاً فوق كل البقاع العراقية.
سنوات الجمر العراقية الأربع المنصرمة أسفرت عن استشهاد مئات الآلاف.. والرقم للأسف يتجه نحو المليون عراقي، ألا يذكرنا ذلك بثورة المليون في الجزائر؟
وسنوات الجمر هذه أسقطت، على الرغم من كل المآسي والكوارث، القناع عن الوجوه القبيحة لصناع الحروب والدمار من صهاينة ومتصهينين الذين أرادوا إقناع العالم بأنهم يشنون الحروب ويسفكون الدماء وينهبون الثروات دفاعاً عن شعب العراق ومن أجل تعليمه أصول الديمقراطية وألف باء الحرية.
أربع سنوات وشعبنا العراقي يدفع ضريبة الدم والنفط! لمصلحة برنامج عدواني إرهابي استعماري وضعه المحافظون الجدد الذين يصنعون القرارات السياسية، ليس للولايات المتحدة، كما يفترض، بل للعالم أجمع.
ومع أن الأميركيين أيضا يدفعون الضريبة نفسها، ولو بنسبة أقل، إلاّ أن تجار الحروب وأصحاب المشاريع التسلطية الاستعمارية لايزالون على رفضهم إعادة النظر في سياستهم الإجرامية، بل ها هم يلوحون من جديد بحرب جديدة، هذه المرة، ضد إيران، بحجة لا تقل غرابة عن الحجة التي برروا من خلالها عدوانهم على العراق.
ومنذ فترة يتبجح وزير الحرب الأميركي ـ وليس الدفاع ـ بأن الجيوش الأميركية قادرة على شن حربين ـ وربما أكثر ـ في آن واحد.
لا نشك أبداً بقدرة الجيوش الأميركية على إشعال فتيل الحروب في منطقتنا، وربما في أماكن أخرى من العالم، لكن على الوزير الأميركي، وعلى إدارته ، التفكير فيما بعد إشعال الحروب، وعن السبل والطرق التي ستسلكها إدارة بوش بعد الحروب، فقرار الحرب سهل، لكن قرار الخروج منها أو النصر فيها، يصبح صعباً للغاية ولا نريد أن نقول إنه مستحيل.
لنتذكر أن أودولف هتلر اتخذ قرار الحرب.. فهل كان بإمكانه اتخاذ قرار الهروب من جحيمها التي التهمته وأسفرت عن ملايين الضحايا، وعن دمار نصف العالم آنذاك؟
الغريب أن صنّاع القرار في البيت الأبيض لا يتعظون من تجارب الماضي، بل الأغرب انهم لا يصغون إلى نصائح العقلاء الأميركيين قبل سواهم، ولاتزال لغتهم الوحيدة التي يتقنونها هي لغة الحديد والنار، حتى لو طالت النيران الشعب الأميركي نفسه، ودافع الضرائب الذي بات اليوم أكثر ابتعاداً عن إدارته وأكثر انتقاداً لها، حيث أعطاها أدنى العلامات في استطلاعات الرأي العام الأخيرة إذ وصلت إلى أرقام غير مسبوقة في تاريخ الولايات المتحدة.
لقد كانت السنوات الأربع، سنوات جمر ودم وخراب، لكنها كانت أيضاً سنوات سقوط الأقنعة، وانفضاح الأكاذيب، وظهور إدارة بوش على حقيقتها «ربي كما خلقتني».
لا نظن أن عقيدة المحافظين الجدد ستجعلهم يعترفون بأخطائهم وخطاياهم، ولانظن أنهم يعتزمون تغيير سياستهم الهتلرية، لكننا نعتقد أنهم فشلوا و..سيفشلون مستقبلا. فقد أخذوا فرصتهم الأولى.. والأخيرة، وللشعب الأميركي القرار ونترك للتاريخ الحساب والمحاسبة.