هل يمكن تخصيص الحقيقة وإدراجها في بورصة العقل كمساهمة بين الشعوب، والإقرار بالحقائق الإلهية والطبيعية مثل الشروق والغروب، والميلاد والموت وغيرها، والنظر إلى الأمور الفكرية، وحتى بعض ما يعتبر حقيقة بنسبيته لا بالقطع واليقين، والاعتراف بأن الإنسان هوالكائن الوحيد العاقل الذي يمكنه قبول أو رفض ما يتعارض مع هذه السمة التي منحه الله إياها؟.
مثلاً تاريخنا العربي ليس ثوباً نظيفاً، وليس (مرجماً) نعاقب به الأبالسة، لكنه خليط من كل شيء الطهارة، والعدل، وإنصاف الناس، وهذه معان تدخل في قيم الدين الحنيف، بنفس الوقت حروب وعرقيات وتمزق، أي أن الخير والشر عنصران متنافسان في تحولاته، كأي تاريخ آخر للأمم الأخرى، وهذه قضايا بشرية تخضع للتحليل، والمقارنة، وفرز الحقائق من ضدها، وبالتالي فالمعيار لمقياس كل أمة ليس الماضي فقط، وإنما القدرة على الخروج من أسره إلى تجديد حيوية الإنسان، وإعطائه كافة الحوافز التي تجعله مكملاً لتاريخه ومطوراً له وفق أبجديات الحياة المعاصرة، والحضور الإنساني الذي ينزع لتجديد الفكر وإثراء العقل، وإطلاق قوى الإنسان المحبوسة لتشكل عبقرية الأمة بخصائصها في المكان والزمان..
هذا الاستطراد يقودنا للتساؤل هل الماضي أفضل من الحاضر، وما هي عوامل التقدم والتأخر في تلك المراحل، بمعنى أن بناء الامبراطورية الإسلامية بكل ما صاحبها من مد وجزر ومنجزات حضارية، ونهايات غير سعيدة، يعني أن تلك المرحلة هي التاج الذي اعتلى رؤوسنا ثم سقط مع عوامل الفشل، وهل يمكننا تجاهل عصر حديث حوّل منجزات عقدٍ لعام، وقرنٍ إلى عدة سنوات، وكيف أصبح الإنسان مسيطراً على محيطه، ويبحث عن كشف معالم الفضاء بأجرامه ومجراته ليحدث نقلة أسطورية في عالم الإنسان والطبيعة؟.
الأوروبيون الذين رسموا خط الحضارة الجديد منذ اكتشاف البخار إلى أدق العمليات الرياضية التي يعجز العقل والذهن عن تفكيكها، حاكموا تاريخهم متحررين ومحررين عقولهم ولحقتهم شعوب أخرى انقادت للتحدي فجاءت استجابتها عظيمة مما ينذر بأن مركز القوة سينتقل من جانبي الأطلسي إلى آسيا العظمى التي نحن جزء منها، لكن بالموقع الجغرافي والتاريخ المشترك، ومن خلال حوافز ما جرى باليابان التي قادت التجربة الآسيوية لنبقى وحدنا نجتر الماضي بفعل الأمر، لا بنظام المنطق والعقل..