في يوم 13 ابريل يحيي اللبنانيون ذكرى اندلاع حربهم الأهلية التي امتدت 15 عاماً متواصلة وحصدت آلاف القتلى أغلبهم من المدنيين ممن وقعوا ضحايا الذبح على الهوية والقنص الأعمى والقصف العشوائي، تلك الحرب التي عاثت خراباً في البلاد وهجرت المواطنين من بيوتهم ودفعت بالعديد إلى ترك لبنان نهائياً.
وعلى الرغم من أن شروط الحرب كانت قد ارتسمت منذ مدة، فقد كانت الشرارة الأولى لبدئها في عام 1975 عندما استهدف هجوم مسلح حافلة ركاب يقلها فلسطينيون في منطقة عين الرمانة مما أدى إلى مقتلهم، وعلى أثر تلك الحادثة شهد لبنان جولات متتالية من القتال دفع ثمنها غالياً بأكثر من 140 ألف قتيل وما يفوقهم من الجرحى وغيرهم ممن ابتلوا بعاهات دائمة أو فقدوا دون أثر، هذا عدا عن التهجير القسري الذي أصاب الأهالي على أساس طائفي.
وكانت أحياء العاصمة قد شهدت تقسيماً واضحاً رسمت تخومه المتاريس والخنادق والدشم التي أقيمت في وسطها بعد أن انفرط عديد الجيش اللبناني وسيطرت الميليشيات المسلحة التي تحولت فيما بعد إلى سلطات محلية مغلقة تحكم سيطرتها على المرافق وتفرض «خوات» على المواطنين.
وطوال فترة هذه الحرب كان جلياً عمق التداخل ما بين المحلي والخارجي، فقد دخلت الحرب بلدان وأطراف عدة كان أهمها منظمة التحرير الفلسطينية وسوريا وإسرائيل، هذا عدا عن الولايات المتحدة وفرنسا وغيرها من البلدان التي وإن بقت بعيدة عن ساحة المعارك والتراشق إلا أن دعمها المادي والمعنوي للأطراف المتخاصمة كان معروفاً.
والحال فإن لبنان منذ ما قبل استقلاله شكل موقع تجاذبات للسياسة الدولية، حيث عملت الدول الأجنبية على إيجاد موقع قدم لها في منطقة على درجة كبيرة من الأهمية لمصالحها. وكان الميثاق الوطني اللبناني مخرجاً لأزمة سياسية وشكل عقداً توافقياً بين زعامات لبنانية من مسلمين ومسيحيين، مؤكداً أن لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه وذو وجه عربي، ومقيماً نظام حكم قائم على التوازن الطائفي للسلطات، هذا النظام الذي تم إعادة النظر فيه في اتفاق الطائف لعام 1989.
واليوم يشهد لبنان احتقاناً وتوتراً سياسياً وطائفياً، وتعيد البلاد أجواء تنذر بالشؤم والمتداول على الألسنة من جديد «روح الميثاق الوطني» وهناك شعور يشوبه القلق من أن لبنان قد لا يمكنه تخطي الأزمات في ظل بقاء الأجواء الإقليمية والدولية على ما هي عليه.
يضاف إلى ذلك، هناك تيار يقوى في لبنان يطالب بقيام لبنان فيدرالي على أساس أن لبنان الواحد صعب التحقيق، وكأن التجارب التاريخية غير كافية لتشير إلينا بأن أي مشروع للانفصال ولو بشكل فيدرالي يحوي في باطنه احتمال اشعال حروب أهلية، فكيف ببلد مثل لبنان الذي خاض تجربة سابقة، وهو الذي يقع في هذه البقعة من الكون التي تشتد فيها النزاعات الدولية، وتحاذيه ذات أهداف صهيونية توسعية تهدف إلى تغييرات في المنطقة تتناسب مع سبل إحكام سيطرتها، هذه الدولة التي هي أصلاً دولة بطبيعتها اليهودية انغلاقية نقيض التنوع والانفتاح ونذير شؤم على الدول المجاورة.
منذ عام 1990 توقف العديد من اللبنانيين عن ذكر الحرب، فالأفكار السوداء تضرب الأمل بالمستقبل، ومن عاش المصيبة يأمل أن يحمي أولاده منها. لكن الماضي يتداخل مع الحاضر والتوعية بالحرب وآثارها تبدو اليوم أكثر من أي وقت مضى ضرورية لتفادي مآس جديدة ستكون كارثة على اللبنانيين.
والمشكلة انه لم تجر المساءلة أو المحاسبة عن الحروب الماضية، وهناك قادة على استعداد إلى جر مواطنيهم مرة أخرى إلى حروب جديدة، لكن من عاش بيننا الحرب الأهلية يقول: لقد تسنى لنا تخطي الحرب، لكن ماذا عمن فقدوا من الأحباء أليس علينا مسؤولية؟ وأليس هناك من دور نقوم به لمنع حروب أهلية جديدة في لبنان؟
إن إحياء ذكرى الحرب الأهلية اللبنانية يعني أن نستفيد من دروسها، هذه الحرب التي سوف تظل أحداثها ماثلة في الأذهان وأشباحها تحوم فوق رؤوس من عاش تفاصيلها واستطاع أن يحيا ليسرد ما مر به لبنان وأهله خلال تلك الأيام السوداء. ولنأمل بأن يكون أي حديث عن الميثاق على قاعدة ترسيخ وحدة اللبنانيين كمواطنين في دولة وليس كوقود لطوائف.