كثيرا ما يطرح المثقفون العرب على أنفسهم هذا السؤال: لماذا نجحت اليابان في دخول الحداثة وفشل العالم العربي الإسلامي؟ نقول ذلك على الرغم من ان اتصالنا بالغرب وحضارته سبق اتصال اليابان بخمسين سنة على الأقل. فمحمد علي، مدشن النهضة العربية الحديثة، انفتح على أوروبا وأرسل إليها البعثات العلمية منذ أوائل القرن التاسع عشر، في حين ان اليابان لم تنفتح عليها الا في عهد سلالة الميجي التي حكمت بدءاً من عام 1868: أي في أواخر القرن التاسع عشر.
وبالمناسبة فإن كلمة الميجي تعني باللغة اليابانية: الحكم المستنير. ولكن على الرغم من هذا التأخر فإن البعثات العلمية التي أرسلتها سلالة الميجي إلى أوروبا وأميركا نجحت في نقل الحداثة وزرعها في اليابان أكثر مما نجحنا نحن بكثير. بل ان اليابان هي البلد الشرقي الوحيد الذي استطاع ان يكسر ذلك الاحتكار الكبير المتمثل في سيطرة الغرب على الصناعة والتكنولوجيا والروح العلمية والرأسمالية الحديثة.
ولاتزال الصين حتى هذه اللحظة تحاول لاهثة دخول هذا النادي المغلق وان تلحق بركب اليابان والغرب في ان معا. وهذا ما تحاوله الهند أيضا. ويبدو انهما حققتا بعض النجاحات الصارخة مؤخرا. وحده العالم العربي لا يزال في مؤخرة الأمم يتخبط في عقده التراثية ومشاكله الأخطبوطية التي لا تنتهي.
يرى المفكر الياباني مازاو ماروياما 1914 ـ 1996 ان هناك عدة أسباب تفسر هذه المعجزة التي استطاعت اليابان وحدها ان تحققها وتصبح ثاني اكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة الأميركية. ولكن قبل ان ندخل في تفاصيل أطروحته ينبغي القول إن هذا المفكر الياباني الكبير كان أصيلا ومعاصرا في ذات الوقت. نقصد بذلك انه كان مطلعا على التراث الياباني الكلاسيكي وعلى الفلسفة الغربية والعلوم الإنسانية الحديثة في ان معا.
وبالتالي فهو يشبه طه حسين إلى حد ما بالنسبة لنا نحن العرب، وقد تعمق في دراسة هيغل وعلماء الاجتماع الألمان من أمثال ماكس فيبر وتروليتش وما نهايم. ولذلك يعتبرونه في اليابان بمثابة المؤسس للعلوم السياسية والتاريخ الثقافي المعاصر. ويرى بعض المؤرخين ان ماروياما هذا هو أهم مثقف ياباني طرح مسألة الغرب والحداثة وعلاقة اليابان بهما.
ماذا يقول هذا المفكر بالضبط؟ انه يطرح أسئلة من النوع التالي: لماذا لم تصبح اليابان حديثة عن طريق وسائلها الخاصة فقط؟ لماذا احتاجت إلى تقليد الغرب وترجمة فكره وعلومه لكي تصبح حديثة؟ وجوابه هو انه كانت توجد في اليابان بذور كامنة للحداثة وان هذه البذور كانت ستتفتح وتؤدي إلى نشأة الوعي الحديث حتى ولو لم يحصل الاتصال مع الغرب في نهايات القرن التاسع عشر.
فالتراث التقليدي المسيطر على العقليات منذ مئات السنين، أي العقيدة الكونفوشيوسية، كانت في طور التفكك والانهيار قبل ان يطرق الغرب على أبواب اليابان ويجبرها على الانفتاح والمتاجرة معه. ويعود الفضل في ذلك إلى قيام المفكرين اليابانيين بتطبيق المنهجية التاريخية والوضعية النقدية على تراثهم الجامد الذي يمنعهم من التحرر والانطلاق.
وبالتالي فإن اليابان شهدت حركة مشابهة لحركة النهضة والإصلاح الديني في أوروبا بوسائلها الخاصة فقط. وهذا شيء كنا نجهله نحن غير المطلعين على الأوضاع الداخلية لليابان. وهو يعني انها لم تنتظر دخول الحداثة من الخارج لكي تنقد ذاتها وتنفض غبار الزمن عن كاهلها اذا جاز التعبير.
وهذا يعني أيضا انه كانت توجد في اليابان الكلاسيكية مقدرة ذاتية على توليد العقلانية النقدية حتى قبل وصول الأوروبيين والاحتكاك بهم. وهذا ينسف أطروحة ماكس فيبر الشهيرة والتي تقول بأن العقلانية العلمية هي حكر على أوروبا ولم تعرفها الحضارات الأخرى من صينية أو يابانية أو هندية أو عربية إسلامية الخ.
ينتج عن ذلك ان هذا المفكر الياباني العميق يريد ان يتوصل إلى ما يلي: ان الحداثة ليست ظاهرة خصوصية أو خاصة بالتاريخ الأوروبي دون غيره. وإنما هي ظاهرة عامة: أي كونية. وكانت سوف تحصل في مناطق أخرى من العالم حتى ولو لم يحاول الغرب تصديرها في القرن التاسع عشر عن طريق الفتوحات الاستعمارية.
فالحداثة تعبر عن رغبة جميع البشر في التحرر الفكري والجسدي والمادي والسياسي من قيود العالم الإقطاعي والأصولي القديم. وبالتالي فالحداثة ليست أوروبية ولا غربية وانما هي ظاهرة كونية وسوف تدخلها جميع الشعوب عاجلا أم آجلا، ينتج عن ذلك ان الحداثة لا تعني الاستغراب أو الاستلاب أو فقدان الهوية كما توهم بعضهم، وبالتالي فلنكف عن محاربة الحداثة بحجة انها آتية من جهة الاستعمار والغرب وما إلى ذلك.
الحداثة في القرن الثاني عشر الميلادي كانت عربية إسلامية وكان الغرب يتلقفها بكل نهم عن طريق ترجمة كتب فلاسفتنا وعلمائنا في مدينة طليطلة الاسبانية التي تحولت إلى مركز ترجمة وبحوث من اعلى طراز، كانت اللغة العربية آنذاك هي لغة الحداثة والعلم والفكر تماما مثل الانجليزية أو الفرنسية الان. لكن لنعد إلى أطروحة الفيلسوف الياباني. انها تقول بما معناه: ان دراسة الأصول المباشرة لما ندعوه بالفكر المستنير تكشف لنا عن مصدره الاجنبي بالنسبة لبلادنا.
هذه حقيقة لا مجال لدحضها. ولكن الأفكار الأجنبية ما كان بإمكانها ان تدخل إلى اليابان وتنزرع فيها وتترسخ لولا انها لاقت تربة صالحة ومتقبلة لذلك. بمعنى اخر فإن العوامل الداخلية لعبت دورها أيضا في نجاح التحديث وليس فقط العوامل الخارجية. ولهذا السبب فإن الحداثة الأوروبية دخلت إلى اليابان دون عرقلة كبيرة أو مقاومة تذكر، واذا كان الفكر السياسي الحديث لم يظهر في اليابان وإنما في أوروبا فإن هذا لا يعني ان اليابان لم تكن تشهد عملية تفكك داخلية للنظام الفكري الإقطاعي. انتهى كلام صاحبنا الياباني.
ماذا يعني كل هذا؟ انه يعني ان التراث الياباني القديم لم يشكل حجر عثرة كبيرا ضد دخول الحداثة مثلما فعل تراثنا. فهل يوجد في تراثنا العربي الإسلامي شيء يميزه عن كل تراثات الأرض يا ترى؟ هل يستعصي على الحداثة والحرية والديمقراطية أكثر من سواه؟ اني اعرف ان هذا السؤال يشغل البيئات الغربية حاليا وبخاصة بعد 11 سبتمبر.
والكثيرون يطرحونه سرا أو علانية ويقولون: لماذا لا تستخدم التراثات الدينية الأخرى لتبرير العنف والإرهاب والكاميكاز كما يستخدم التراث الإسلامي؟ فلا توجد على حد علمي عمليات كاميكاز أو تفجيرات انتحارية تستهدف المدنيين العزل باسم العقيدة البوذية أو الكونفوشيوسية، سؤال ضخم لا ازعم شخصيا باني قادر على الإجابة عليه. ولكن بحسب ما قرأت وفهمت مؤخرا فإنه يمكن لنا ان نخاطر ببعض الفرضيات.
ربما لم تكن تراث الشرق الأقصى، أي البوذية أو الهندوسية أو الكونفوشيوسية، تزعم احتكار الحقيقة المطلقة والمتعالية مثلما يفعل تراثنا نحن ومثلما كان يفعل التراث المسيحي ايضا ايام محاكم التفتيش أو الحروب الصليبية. من هنا تسامحها النسبي وقبولها في الأخذ عن الآخرين بدون عقد كثيرة أو تعقيدات.
ينبغي العلم بأن الكثير من مقولات الحداثة تصطدم بمقولات التراث القديم الذي يحظى بهيبة قدسية لا مجال للشك فيها على الاقل لدى عامة الشعب بل وحتى لدى قسم كبير من المثقفين. وبالتالي فبأيهما نأخذ؟ .
يضاف إلى ذلك ان الحداثة لا تعني النمطية أو التخلي عن أفضل ما اعطاه التراث العربي الإسلامي أو التراث الياباني الخ. انها لا تعني تحول كل شعوب العالم إلى نسخة طبق الأصل عن أوروبا، فهذا غير مستحب على الإطلاق وغير ممكن اصلا. يضاف إلى ذلك أيضاً ان هناك شططا للحداثة أو تطرفات بشعة ينبغي تحاشيها بأي شكل. ولكن هناك بعض المبادئ الكونية التي ينبغي على الجميع ان يتقيدوا بها اذا ما أرادوا ان يبنوا مجتمعا متسامحا.
يضاف إلى ذلك ان دولة الحداثة تفرق بين المواطن والمتدين التقليدي. فإذا كان كل متدين مواطنا حتما فإنه ليس كل مواطن متدينا بالضرورة. وبالتالي فالدين لله والوطن للجميع دون استثناء تماما كما يحصل الان في فرنسا أو بلجيكا أو سويسرا أو كل الدول المتقدمة، والا فلن يكون هناك وطن ولا مواطنية وانما طوائف ومذاهب وقبائل متجاورة ومتناحرة. انظر ما يحصل الان في لبنان أو سواه من بلدان المشرق العربي. والتكفير ممنوع في دولة الحداثة المستنيرة .
وباختصار فإن الدين هو المعاملة بحسب منظور الحداثة: أي الاستقامة والصدق وأداء الواجب بإتقان وخدمة المصلحة العامة، وأما ما عدا ذلك فلا يخص البشر. ما عدا ذلك يتجاوز البشر وإمكانياتهم. وبهذا المعنى فإنه يوجد دين كثير في أوروبا أو كما قال الإمام محمد عبده في عبارة شهيرة بعد ان زار فرنسا واقام فيها لفترة: في أوروبا وجدت مسلمين ولكن بدون إسلام لأنهم مسيحيون أو علمانيون وفي الشرق يوجد إسلام ولكن بدون مسلمين. بمعنى ان الإسلام لا يطبق في الشرق الذي يقول إنه مسلم.
والمقصود بالإسلام هنا كل قيم الخير والحق والعدل والجمال والتقدم والنظافة والترتيب والتهذيب والتعامل الإنساني الحضاري بين المواطنين مع بعضهم البعض. هذا هو الإسلام بحسب مفهوم محمد عبده. وهنا يكمن سر تخلف العالم الإسلامي وتقدم العالم الأوروبي. فالتدين الخرافي الانحطاطي المتعصب هو الذي يسيطر علينا لا التدين الحر العقلاني المستنير.
وبالتالي فالحداثة السياسية التي يتحدث عنها المفكر الياباني والتي تنعم بها شعوب الغرب وبعض الشعوب القليلة الأخرى هي كنز لا يقدر بثمن. ولا يعرف معناها الا من فقدها. انها تعني الديمقراطية بدل الاستبداد، والحرية بدل العبودية، والمسؤولية بدل الاستهتار، والمواطنية الصحيحة بدل الطائفية والمذهبية التي تمزق مجتمعات ما قبل الحداثة تمزيقا، بل وتكاد تدخلها في حروب أهلية طاحنة لا تبقي ولا تذر.
كاتب سوري ـ باريس